جميع القصص

الفن ذاكرة ومعنى: الأهمية الثقافية للفن العام في قطر

يعد الفن العام في قطر أكثر من مجرد منظر ضمن المشهد الحضري؛ فهذه الأعمال الفنية التي نراها في الحدائق، وعلى ضفاف الشواطئ، وفي الأحياء السكنية، أصبحت جزءاً لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية، وهي تحمل في طياتها قصص التراث والهوية والذاكرة المشتركة. وإلى جانب قيمتها الجمالية، تعمل هذه الأعمال بوصفها علامات ثقافية تربط الأفراد بالمكان وببعضهم، من خلال تجارب جماعية تتشكل خارج جدران المتاحف.

المشاركة مع صديق

توقير التقاليد والركائز الثقافية

تستمد العديد من أعمال الفن العام في قطر قوتها من ركائز ثقافية عميقة، ضاربة بجذورها في التاريخ واللغة والتقاليد العريقة التي ما تزال تشكل الهوية الوطنية.

على واجهة الدوحة البحرية، يبرز عمل الفنان سلمان المالك "توب توب يا بحر"، الذي استلهم اسمه من أهزوجة قطرية تقليدية مرتبطة بالبحارة والبحر. يستحضر هذا العمل إيقاعات الحياة البحرية وحقبة الغوص بحثاً عن اللؤلؤ، مذكراً بزمن كان فيه التراث الشفهي يؤدي دوراً حيوياً في نقل المعرفة بين الأجيال. ويوضح المالك أن هذا العمل يعكس مشاعر النساء اللواتي كنّ ينتظرن شهوراً عودة أفراد عائلاتهن من رحلات الغوص عبر قطر والخليج.

مجردة من الفضة النحت العاكسة لسيدة خليجية

سلمان المالك. "توب توب يا بحر"، 2022. فولاذ مقاوم للصدأ؛ 2 متر × 2.2 متر × 8 متر. الصورة: سرجون ابو فاعور. الصورة: بإذن من متاحف قطر ©2022.

يدور هذا العمل حول الانتظار، ذلك النوع الهادئ الذي يسكن القلب، وأصوات النساء اللواتي كنّ ينادين البحر يوماً ليعيد إليهن أفراد عائلاتهن.

سلمان المالك

وأشار المالك إلى أنه اختار هذا الموضوع للربط بين الماضي والحاضر، مستلهماً ذلك من تاريخ المنطقة وهويتها. وبدلاً من عرض كل شيء بشكل مباشر، ترك مساحة للمشاهد لاستكمال الصورة، مستخدماً إشارات بصرية دقيقة بدلاً من تصوير امرأة جالسة بشكل كامل.

وعلى النحو ذاته، يمزج عمل "حكمة وطن" (2019) للفنان علي حسن الجابر، بين الهوية والتعبير الشعري، ليعكس القيم التي قامت عليها دولة قطر. ينبثق هذا العمل من اللغة والموروث الأدبي، معززاً الدور الراسخ للشعر والخط العربي بصفتها أعمدة ثقافية تربط حكمة الماضي بالفضاءات المدنية المعاصرة.

أما النص الشعري نفسه، باللونين العنابي والأبيض المستمدين من علم قطر، فهو مقتطف من قصيدة نُسبت إلى الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني، مؤسس دولة قطر. تعكس الأبيات تعبيراً هادئاً وصادقاً عن الإيمان؛ حيث يتوجه فيها إلى العلي القدير، مما يظهر عمق الثقة واليقين بأن كل ما في الكون قد خُلق بعناية ولأجل غاية محددة.

ويتحدث المؤسس عن عظمة الله بأسلوب بسيط وقوي في آن معاً، حيث تكفي كلمة واحدة (كن فيكون) لتوجد الأشياء. وفي الختام، تتحول النبرة برقة نحو الامتنان، مع تذكير بأن الحمد والشكر لله وحده.

Insert text here

علي حسن الجابر. "حكمة وطن"، 2019. ألومنيوم. الصورة: بإذن من متاحف قطر ©2022.

تُظهر هذه الأعمال مجتمعة كيف يمكن للفن العام أن يحافظ على الذاكرة الثقافية ويضمن استمرارية حضورها، مما يوفر تواصلاً تاريخياً في بيئة سريعة التطور.

الفن العام والحياة اليومية

بتوزعها المدروس في الأماكن العامة، أصبحت معظم أعمال الفن العام في قطر جزءاً أصيلاً من نسيج الحياة اليومية، حيث تختزل في ثناياها الذكريات الشخصية والتفاعلات الاجتماعية على مرّ الزمن.

ويعد بيت أسباير (2024)، وهو معلم هندسي للفنان العراقي مهدي مطشر، تجسيداً لمفاهيم الشكل المنزلي والأسرة والانتماء. يقع العمل في حديقة أسباير الشهيرة في الدوحة، ويلامس مشاعر الناس من خلال لقاءاتهم وتفاعلاتهم اليومية، حيث تتقاطع اللحظات الشخصية مع الخلفية الثقافية المشتركة.

ar

مهدي مطشر، "بيت أسباير" (2024). طوب طيني وطلاء سيراميك أزرق، 4.5 × 21.4 × 14.8 متر. الصورة: بإذن من متاحف قطر ©2024.

وفي المقابل، يستخدم عمل "حب لا نهائي" (2024) أشكالاً خطية معاصرة ذات طابع رومانسي لاستكشاف العواطف والروابط الإنسانية. هذا العمل من إبداع الفنانة القطرية بشائر البدر، وقد أُنجز تقديراً لالتزام صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر تجاه المجتمع ودعمها مركز الشفلح للأشخاص ذوي الإعاقة.

تدعو الخطوط الانسيابية والبنية التعبيرية لعمل "حب لا نهائي" المشاهدين إلى التأويل المفتوح، مما يتيح لهم إسقاط تجاربهم الخاصة على العمل. واستلهاماً من فترة عدم اليقين التي عاشها العالم خلال جائحة كوفيد-19، أصبح عمل "حب لا نهائي" جزءاً من المشهد العاطفي للحياة اليومية حول مركز الشفلح.

ar

بشائر البدر. "حب لا نهائي"، 2024. فولاذ مقاوم للصدأ وذو سطح مطفي؛ 5.5 × 7.5 متر. الصورة: بإذن من متاحف قطر ©2022.

يجسد عمل (حب لا نهائي) بالنسبة لي فكرة أن إيماننا بالحلم يحوّله إلى واقع ملموس، ويمتد أثره ليشمل العالم أجمع.

بشائر البدر

الذاكرة والتراث والمشهد الطبيعي

تؤدي المعالم الطبيعية والحضرية في قطر دوراً حيوياً في تشكيل المعنى؛ إذ تتفاعل بعض أعمال الفن العام مباشرة مع الجغرافيا، موجهةً الأنظار إلى العلاقة بين الأرض والتاريخ والذاكرة الثقافية.

يتناغم عمل سيمون فتال "مقام 1، 2، 3" (2022) مع الصحراء بوصفها مسرحاً وموضوعاً للعمل في آن واحد. يقع العمل ضمن منطقة الزبارة، ويحاكي المعالم التاريخية ونقاط الاستراحة، مستحضراً مفاهيم الرحلات والحركة ومرور الزمن. لا تُعد البيئة هنا مجرد خلفية، بل هي مساهم نشط وشريك في هذا التناغم، حيث يضفي اتساعها وصمتها وتاريخها عمقاً على صدى العمل الفني.

ثلاث منحوتات رخامية ذات أشكال متعددة

سيمون فتال."مقام 1، مقام 2، مقام 3"، 2022. غرانيت، 3.4 × 2.4 × 2.4 متر لكل منها. الصورة: علي الأنصاري، بإذن من متاحف قطر ©2023.

ومن خلال هذا التناغم بين العمل الفني والتضاريس، تتحول الذاكرة إلى تجربة حيّة في ثنايا المكان؛ حيث تخرج الصحراء المعاني الكامنة فيها، لتؤكد أن الأرض ذاتها مستودعٌ للقصص التي ما تزال تشكل جوهر هويتنا المشتركة.

الفن العام: جسر للتواصل الثقافي

وسواء استمدت هذه الأعمال قيمتها من عمق التقاليد، أو انصهرت في تفاصيل الحياة اليومية، أو استلهمت معانيها من طبيعة الأرض، فإن الفن العام في قطر يفتح آفاقاً للتأمل تتجاوز جدران المتاحف.

وتؤكد هذه الإبداعات دور متاحف قطر في مدّ جسور التفاعل الثقافي خارج الجدران المؤسسية، لتجعل من الفن حواراً حياً ينبض في الفضاء العام. وبذلك يتجاوز الفن العام حدود المشهد اليومي المعتاد، ويتحول إلى تجربة يعيشها الناس، وحوار مستمر يجمع بين الذاكرة والمكان والمجتمع.

محمد آل ثاني هو منسّق التحرير الرقمي في متاحف قطر.