جيف كونز: تائهٌ في أميركا

المعرض السابق

يقدّم معرض "تائهٌ في أميركا" الذي أشرف على إعداده القيّم الفني ماسيميليانو جيوني، نظرة فريدة على المسيرة المهنية الاستثنائية للفنان التشكيلي جيف كونز، وهو أحد أشهر الفنانين المعاصرين في العالم، والذي تجمع أعماله بين فن البوب، والبساطة، والجاهزية. ويعتبر هذا المعرض أول معرض لجيف كونز في منطقة الخليج العربي.

يقدّم معرض "تائهٌ في أميركا" صورة عن الثقافة الأميركية استوحاها كونز من مراحل حياته بدءاً من طفولته في إحدى ضواحي ولاية بنسلفانيا. ويضم المعرض أكثر من 60 عملاً فنياً من مختلف مراحل مسيرة كونز على مدى أربعة عقود من الزمن. وتتوزّع الأعمال الفنية على 16 صالة عرض؛ يقدّم كل منها نصاً عن السيرة الذاتية للفنان، مع التركيز على ذكرياته، وتأثره، وانبهاره بالثقافة البصرية الأميركية. ويُنظر إلى المعرض باعتباره صورة ذاتية واسعة النطاق، ويتضمن أيضاً منحوتات ولوحات ذات أسطح عاكسة ساحرة تعكس المشاهدين وتلفت الانتباه إلى مفاهيم التحوّل الذاتي والصيرورة.

حمّل دليل المعرض

ويشمل المعرض بعض الأعمال الأكثر شهرة لكونز من مجموعات مثل "جديد" (1980-1987)، و"عادي" (1988)، و"احتفال" (1994- )، و"پاپاي" (2002-2013)، و"عتائق" (2008- )، إلى جانب المزيد من الأعمال التي تعرض لأول مرة خلال هذا المعرض الخاص. يقوم كونز في لوحاته ومنحوتاته، بما في ذلك بعض القطع الأكثر شهرة لهذا الفنان مثل "أرنب" (1986) و"كلب بالبالونات (برتقالي)" (1994-2000) و"معجون اللعب" (1994-2014)، بتحويل الأشياء اليومية والمواد الصناعية إلى أعمال فنية جذابة تثير أسئلة حول الرغبة والأمل، والذات والسمو، والفردية والجماهير.

وخلال حياته الفنية، حوّل جيف كونز عالم الفن بشكل جذري، حيث أقام علاقات جديدة بين الثقافة الحداثية والجماهيرية، مع تطوير نماذج جديدة لدور الفنان في عصر شديد التواصل. يشارك كونز انشغاله بالثقافة الشعبية الأميركية مع العديد من أسلافه، ولا سيما روي ليختنشتاين وآندي وارهول، ومعاصريه مثل روبرت غوبر وباربارا كروغر وريتشارد برينس وسيندي شيرمان.

تمثال معدني لامع على شكل كلب برتقالي مصنوع من البالونات

جيف كونز، "كلب بالبالونات (برتقالي)"، 1994–2000، فولاذ مقاوم للصدأ مصقول بدرجة عالية مع طلاء ملوَّن شفاف، 307.3 × 363.2 × 114.3 سم، إحدى خمس نسخ مختلفة، مجموعة مغربي. © جيف كونز. بإذن من غاليري منوشن، نيويورك. الصورة: توم باول إيماجينغ.

الرعاة الرسميون

معرض جيف كونز: تائهٌ في أميركا برعاية أريدُ، والخطوط الجوية القطرية، وكتارا للضيافة

جزء من العام الثقافي قطر - أميركا 2021

العام الثقافي قطر - أميركا 2021، برعاية إكسون موبيل، هو برنامج تبادل ثقافي يهدف إلى تمتين الروابط الثقافية بين الدولتين وشعبيهما

كتب جيف كونز هذه النصوص للتعريف بأعماله الفنية في معرضه "جيف كونز: تائهٌ في أميركا".

جديد

لطالما شعرتُ أني فنان. أنا بالفعل فنان منذ ولادتي. ولطالما كان الفن هو طريقتي لوضع معاييري الخاصة والتعبير عن نفسي. سلسلة "جيف كونز الجديد" مبنية على صورة لي من مرحلة رياض الأطفال. أظْهرُ في الصورة وأنا ممسك بأقلام التلوين. شعرتُ عندها أن الفن أصبح يهيمن عليّ ويأخذني بعيداً بينما ألحق به. أن أكون فناناً، هو أمر يتمحور بشكل كامل بالنسبة لي حول بلورة مفهوم يجمع الحداثة والفردانية. مِن أسعد اللحظات وأنا طفل كانت تأمُّل علبة حبوب الإفطار. كانت تجربة غريزية في ذلك العمر، فقد فُطمتُ عن الرضاعة لتوّي، وأتناول حبوب الإفطار مع الحليب. بصرياً، لن تشعر بالملل من تأمُّل العلبة. تجلس وتتأمل الجهة الأمامية ومن ثم الجهة الخلفية. وفي اليوم التالي ربما، تلتقط العلبة مجدداً وتتأمّل تغليفها. شعورٌ من الانبهار لا ينضب. تلك هي القدرة على تذوُّق الدهشة المحيطة بنا.

يقع نظر الناس يومياً على صور ويتعاملون مع منتجات تم تغليفها. يُشكّل ذلك مصدر ضغط كبير على الأفراد نتيجة الشعور بأنهم، هم أنفسهم، قد تم تغليفهم. دائماً ما تنتابني رغبة بجعل المُشاهِد يشعر وكأنه مُغلَّف بأي درجة يرغبها، فقط لزرع شعور بالثقة بالنفس وتقدير الذات. في سلسلة "الجديد" كنتُ مهتماً بمفهوميّ الحداثة والخلود، فقمتُ بوضع مكانس كهربائية جديدة في خزائن عرض شفافة ومضاءة لتبدو وكأنها جديدة أبداً وسرمدية. يشتمل هذا بالتأكيد على نوع من المواجهة مع العمل وطرح السؤال على نفسك عمّا إذا كان العمل سيصمد أمام الزمن أكثر منك، وما إذا كانت كينونته أقوى منك. تُبرز أعمالي مأساة كل ما لم يتم تحقيقه من الكينونة. دائماً ما كان هدف أعمالي يتمثل بتحقيق كمال منشود، وهو أمر يستحيل بلوغه، ولكن هذه الأعمال تستمر في مسعاها المأساوي هذا.

توازن

أحاطتني العائلة بالكثير من الحب على الدوام، ولطالما شكّل الفن بالنسبة لي بمثابة منظومة من المكافآت. امتلكَ والدي متجر مفروشات في مدينة يورك في ولاية بنسلفانيا، وكان معروفاً بأنه أفضل مصمم ديكور في المنطقة، ومشهوراً برهافته وتذوّقه للجمال. ترعرعتُ منذ نعومة أظفاري على إدراك أن البيئة المحيطة بنا قادرة على التلاعب بعواطفنا وما ينتابنا من مشاعر. كنتُ أزور متجر والدي، وألاحظ أن إحدى الغرف يُعرض فيها مطبخ، بينما تُجاورها غرفة جلوس. أعودُ في الأسبوع التالي لأجد أن المطبخ وقد تحوّل إلى فضاء للمعيشة ومشاهدة التلفاز، بينما استحال القسم المجاور إلى غرفة نوم. كنتُ أشعر بعواطف مختلفة تماماً عند دخول المكان المتجدد. كان يتم التلاعب بي، وهو أمرٌ راق لي. كبرتُ في ذلك المتجر وأحاطت بي مقتنيات تعرض نفسها، كمصباح وطبق خزف صيني صغير وكرسي. أعتقد أن انخراطي بعالَم المنتجات الجاهزة ينبع من النظر إلى تلك المقتنيات ومنافض السجائر وغيرها من الحاجيات الموجودة في صالة العرض ومجرّد الإصغاء لما تقوله. انطلاقاً من متجر والديّ، تعلّمت الإحساس بالسكون والنظام، وأن بوسع المرء التحكّم بالبيئة المحيطة به.

في سلسلة "توازن"، تأتي الأعمال المكوّنة من حوض سمك وكُرات سلة لتُعالِج حول مفهوم التحكّم عبر إظهار حالة قصوى من الكينونة، والمتجسِّدة بحالة فلسفية من التوازن. وهذه الحالة القصوى أو المنشودة ليست مستدامة، فالكُرة ستغوص إلى قاع الحوض في النهاية. أما بالنسبة إلى إعلانات شركة Nike، التي أطلقتُ عليها مصطلح ’صفارات إنذار‘ فتمثّل أشخاصاً بلغوا مكانة معينة، وحققوا إنجازاً، أو ربما وصلوا لحالة مختلفة من التوازن. أولئك أشخاصٌ بوسعهم القول "لقد فعلتُها!". تُشكّل هذه الصور مصدر إغراء للمُشاهِد، فهي تسعى لإقناعه بالمشاركة في جانب محدد من النجاح. هناك أيضاً أدوات مستخدَمة لتحقيق التوازن – كعُدة التنفس تحت الماء والمِنشاق وقارب النجاة – والتي تم تصنيع جميعها من البرونز بحيث تتمتع بقدرة دفع تطلّعات المرء وطموحاته للأسفل. التوازن هو حالة طوباوية تتعادل فيها كل القوى. تنطوي سلسلة "توازن" على حالة سردية وارتباط بين الأمور، فأنا مهتمّ بتضخيم الأشياء وتوثيق حدتها وطاقة الحياة الكامنة فيها.

رغبة

عندما أشتغلُ على أعمالي، أحاولُ إبراز جانب محدد من كينونتها. فعند تقديم شخص خجول أمام حشد كبير من الناس على سبيل المثال، سيَظهر ذلك الحياء، بل وستزيد حدّته. أتعاملُ مع الأشياء بنفس الطريقة تماماً، حيث أضعها في سياق محدد أو في مادة معيّنة وهو ما يعزز جانباً خاصاً من شخصيتها. أحاول كذلك تجسيد رغبة الفرد بتلك الأشياء، وإظهار آماله وتطلّعاته على سطح العمل عبر حالة من الخلود. والهدف من كل هذا هو البوح بحقيقة مفادها أنه في إطار المنظومة الغربية الرأسمالية التي نشأتُ فيها يحصل المرء على الأشياء كمكافأة لما يقوم به من عمل أو تحقيق إنجاز. عند تراكمها تتحوّل هذه الأشياء إلى شبكات دعم للفرد، وتحدِّد الشخصية الذاتية وتُلبّي وتُعبِّر عما يعتمل في نفسه من رغبة.

لا أسعى لخلق أيقونات استهلاكية، بل أحاول فهم السبب الكامن وراء تمجيد هذه الأشياء وكيفية حدوث ذلك. تعكس أعمالي الرغبة دون أن تستهلكها. فبالنسبة لهذه المنحوتات، شكّل الفولاذ المقاوِم للصدأ مادة رائعة. بوسعي صقله وخلق خالة من الفخامة المزيفة. لم أرغب يوماً بفخامة حقيقية، بل كان هدفي فخامة بروليتارية. تتمثل رغبتي بشيء يُدلل البصر ويخلط الأوراق لدى المُشاهد. فسطح الفولاذ المقاوم للصدأ هو بمثابة طبقة زائفة بدرجة كبيرة وتخفي ما تحتها من تهالُك.

وأعمال مثل "قطار" أو "دلو" هي أعمال غير وظيفية، حتى وإن وَظّفت حاجيات قابلة للاستخدام. فهذه الأوعية مصنوعة أصلاً من البلاسـتيك والخزف، أعـددتُ منها قوالـب فـولاذ مقاوم للصـدأ، وصقلتها ثم أخذتها إلى المُصنِّع الأصلي الذي قام بتنظيفها وتعبئتها ووضع ختم الضرائب عليها. وكأن أحداً لم يمسّها لأنها أصبحت شيئاً جديداً قائماً بحـدّ ذاتها، وكينونتها محفوظة. وفــي حال ـزع الختم، سيتدمّر المدخل إلى روح العمل. لا أحاول هنا أن أخلق عملاً أصلياً، ولا الاسـتئثار بالأصل، فقد أصبح لهذه الأعمال بُعد جديد الآن.

أرنب

إبّان نشأتي في بنسلفانيا، كان لتمثال ’وليام بين‘ الموجود أعلى مبنى دار بلدية فيلاديلفيا أثر كبير جداً عليّ، لمجرّد وجوده، وارتباطه بالماضي والتاريخ، والرهبة التي يمكن لتمثال أن يخلقها. جعلني أشعر بأني مقيّد بالماضي وبمجتمعي المحليّ. أعتقد أنه أحدث تغييراً في حياتي. ولكي يتأمّل الشخص التمثال، عليه تسلّق أعلى البرج في قمّة مبنى دار البلدية وكأنها مغامرة في إحدى روايات الكاتب ’جول فيرن‘. أما البرج الصغير الموجود في أعلى المبنى، فقد كان بالنسبة لي وكأنه مركبة تصطحب المرء إلى أديم الأرض أو إلى سطح القمر.

في سلسلة "التماثيل"، بدأتُ أفكر بطريقة مباشرة أكثر بهذا النوع من الرهبة والرغبة التي يمكن أن تخلقها أعمال مختلفة. حافظتُ في هذه السلسلة على استخدام الفولاذ المقاوِم للصدأ. لطالما تم استخدام مقتنيات مصقولة في الكنائس ولدى الأثرياء لإظهار الراحة المادية وحالة من التنوّر على المستوى الروحي. والفولاذ المقاوم للصدأ هو انعكاس لهذه الحالة، وطبيعته التي تحاكي المرآة تُرسِّخ حميمية تنطوي على حالة من الخمول قد يشعر بها المرء في ساحة عامة أمام نافورة أو تمثال.

تُقدِّم سلسلة "التماثيل" نظرة شاملة على المجتمع. فمن جهة هناك "الأرنب"، ومن الجهة الأخرى هناك تمثال "سيدة إيطالية" النصفي بأسلوبه الكلاسيكي الحديث، ولكن بوسعنا استخدام أي رمز هنا، لأن أعمالاً مثل "الأرنب" حمّالة أوجه، ويمكن قراءتها بأشكال عديدة وانتزاعها من سياقها. يمكن تأمّل "الأرنب" واستحضار عيد الفصح وأجواء البراءة، أو ربما رموز الشيطنة والشقاوة. يمكن اعتبار الجزرة وكأنها ميكروفون بحيث يوحي العمل بخطيب مفوّه يُدلي بتصريح تلو آخر، ولربما كان سياسياً. وميزة أنها حمّالة أوجه هي ما يستدعي الحاجة لتتمتع الأعمال بالأصالة لأنها يجب أن تتحوّل وتتبدّل وتلبّي احتياجات المُشاهِد.

عاديّ

يوجد في مدينة يورك في ولاية بنسلفانيا منزل على شكل حذاء بناه في أربعينيات القرن العشرين تاجر أحذية محليّ. كنتُ أمرّ كثيراً أمام بوابة ذلك المنزل وأنا طفل. لطالما أثار هذا المسكن الخيالي فضولي واهتمامي. تروق لي المعالِم المميزة في الطرقات وكيف تُستخدم الصورة لتدفعنا إلى زيارتها. وحتى يومنا هذا، لا يسعني زيارة لوس أنجلوس والعودة للمنزل دون شراء كمية كبيرة من الكعكات المحلاة الصغيرة من متجر "راندي دونانتس" أتقاسمها مع أبنائي، وذلك بسبب مجسّم الكعكة هائل الحجم المثبّت على سطح المتجر.

أؤمن بالرغبة بدرجة كبيرة، ولا يهمني فعلياً مفهوم الثقافة الرفيعة والثقافة الوضيعة. ولا أؤمن بمفهوم الثقافة المبتذلة أو الهابطة (الكيتش). حتى أني لا أحبّ الكلمة بحدّ ذاتها لأنها تنطوي على النظر بشكل دوني تجاه شيء أو شخص ما. أؤمن بالتفاؤل وحبّ الأشياء.

أثناء عملي على سلسلة "العاديّ"، أدركت أننا كأفراد في المجتمع نحب الصور مثل "المنزل الحذاء"، ولكننا في الوقت نفسه نجد صعوبة في تقبّلها والاعتراف بوجود صلة تربطنا بها. حاولتُ تقديم أعمال يمكن أن يستجيب لها الجمهور بغض النظر عن خلفيته. وفي حال لم يتفاعل معها، فإن السبب الوحيد لذلك هو أنه تم إقناعه بأنه لا يُفترض به أن يحبّها. سلسلة "العاديّ" تعتمد على قبول الشخص لذائقته وتجاربه وتاريخه وماضيه ورغباته. حالما تُدرك أنك محاط بكلّ شيء، يصبح العالَم حافلاً بالإمكانيات. أحاول عدم استخدام هذا المفهوم بطريقة تهكمية، بل توظيفه للتغلغل في وجدان العامة والتواصل مع الناس. يُمثل هذا بالنسبة لي معمودية بما هو سائد، معمودية بكل ما هو عاديّ.

تسلية سهلة – أثيريّ

أول تواصل وتفاعل مهم لي مع عمل لفنان آخر كان مع سلفادور دالي. كانت هدية والديّ لي في عيد الميلاد عبارة عن كتاب فاخر لدالي بغلاف ذهبي لامع يحمل صورة لعمله "إصرار الذاكرة". تناهى إلى سمعي خلال دراستي الجامعية أن دالي نزيل في فندق "سانت ريجيس" في نيويورك. اتصلتُ بالفندق وطلبتُ الحديث معه. استجابوا لذلك وردّ دالي على اتصالي قائلاً: "أنا هنا، تعال وزرني".

ربما أراد أن يكون لبقاً لا أكثر. خطّطتُ للذهاب صباح يوم سبت، وكان قد طلب مني أن نلتقي في ردهة الفندق. عند وصولي، وبحسب الاتفاق، كان يقف هناك مرتدياً معطفاً من الفراء وربطة عنق ذات مشابك ماسيّة، فقد كان يتعامَل مع كل لحظة من الحياة باعتبارها مناسبة مميزة. اتجهنا سوية إلى معرضه في "غاليري نودلر" حيث وقف أمام لوحته الرائعة التي يقدّم فيها نمر البنغال الملكي بطريقة تبعث على الهلوسة، ثم لفّ شاربه نحو الأعلى كي ألتقط له صورة فوتوغرافية لا أزال أحتفظ بها بالتأكيد.

ما أُحبِّه في دالي هو اهتمامه بالحياة اليومية والحاجيات اليومية، والقوة الكامنة في التسامي عن الأمور المادية، في تلك الرحلة إلى دواخل النفْس. على المستوى الشخصي، لا يروق لي عندما تتمحور الأمور حول الذات. دائماً ما أحاول الموازنة بين الشخصي والجماعي. تُعالِج أعمالي الأبعاد النفسية لذاتي وللجمهور. السريالية مهمة للغاية بالنسبة لي نظراً لكونها تمثّل نقطة انطلاق.

لوحاتي في سلسلة "تسلية سهلة – أثيريّ" تحمل مستويات عدة. وبرأيي العمل على كولاج هو أمر يشبه العمل على منتجات مصنَّعة جاهزة. يروق لي استعمال صور موجودة أصلاً، بدلاً من اللجوء لصور جديدة تم إعدادها بطريقة عاطفية محضة. في سلسلتي "تسلية سهلة" و"تسلية سهلة-أثيريّ"، يسود انطباع بالألفة حيث يشعر المشاهدون وكأنهم ينظرون إلى أنفسهم، سواء تعلّق الأمر بصورة إعلان لحوم أو أحمر شفاه. تتحوّل الأعمال إلى ما يشبه المرآة، ويتراءى للناس إحساس بذواتهم.

پاپاي

پاپاي هو شخصية كرتونية ورمز لبداية القرن العشرين. يجعلني أستحضر ذكريات والدي وجيله. بدأتُ بشكل تلقائي جداً أنجذب إلى صورته. أردتُ الانخراط في حوار مع تاريخ الفن وفن البوب، ومع التكنولوجيا وما تغيّر فيها على مر الزمن. كما رغبتُ بمعالجة مسألة قبول الذات. من أشهر التعابير التي يقولها پاپاي "أنا ما هو أنا عليه". يمثّل پاپاي بالنسبة لي شخصية لها قيود، ولكنها تنطوي على تفاؤل. فهو يتحرّك جيئة وذهاباً، يفوز ويخسر، ويكون المتصدّر مجدداً، يضطلع بالتعامل مع مشاكله، ودائماً ما تكون النهاية سعيدة.

يجب أن يكون لدى الفنان قاعدة ارتكاز على مستوى الأيقونات الشخصية. فهو بحاجة لها وتمنحه نوعاً من قوة الجاذبية، وقاعدة يستند عليها ولغة يستخدم مفرداتها. وكأنها التاريخ الثقافي للشخص، ولكن الأيقونة الجماهيرية في الوقت نفسه هي بمثابة هدف أسمى.

يُظهر پاپاي أنه للسموّ فوق الفن الموضوعي، يتوجب عليك أولاً القبول بنفسك. ولكني من مناصري استرجاع الموضوعية وأن يستعيد الفنان مسؤوليته المتمثّلة بالتلاعب والإقناع، وأن يكون للفن أثر سياسي تماماً مثل صناعات الترفيه والسينما وموسيقى البوب والإعلان. لطالما راقت لي لغة فن البوب بفضل كرمها تجاه المُشاهد، وجوهر ما أعنيه بهذا هو قبول العالَم من حولك، وجعلك تشعر بأنك مثالي كما أنت دون تغيير وبغض النظر عن خلفيتك وأذواقك. وتلك مقاربة عظيمة تساوي بين الأشخاص. وفي النهاية، تلك الصور من الثقافة الجماهيرية هي مجرّد استعارات تُجسّد الناس وقبول الآخر وقبول كل ما هو غريب عن الذات.

العملاق وإلفيس

"الدكتاتور" هو عمل يحاكي مدفعاً أوقع الرهبة في قلوب الناس خلال الحرب الأهلية الأمريكية، وقد حاولتُ تقديم نسخة طبق الأصل قدر الإمكان. عندما كان "الدكتاتور" يُستخدم خلال القرن التاسع عشر، كان يُطلق 13 قذيفة مدفعية يبلغ قُطر كل منها حوالي 33 سنتيمتر ويُحدث صوتاً هائلاً. كان فعلياً السلاح ذي الدويّ الأعلى في الحرب، ومصمَّم لكي لا يغمض جفن أحد طوال الليل. في سلسلة "العملاق وإلفيس" أردتُ إعداد أعمال تتطرّق للجوانب العقلانية وغير العقلانية للسلطة. ولإظهار ذلك أردتُ وضع عملين كبيرين ومتناقضين قبالة بعضهما: "الدكتاتور" من جهة، و"جرس الحرية" في الجهة الأخرى. أي الدكتاتور والمخلِّص. أما "العملاق" فهو شخصية قتالية يتمتّع بطاقة كبيرة ومستلهَم من كتاب رسوم متحركة أمريكية. إنه الحارس والحامي، ولكن بوسعه أيضاً تدمير المنزل.

إعداد عمل "الدكتاتور" كان بمثابة تجربة أخلاقية. فإعادة إنتاج المدفع الأصلي هو أمر غير متاح. وصبّه في قوالب من نفس المواد الكيميائية غير ممكن. ولكني حاولتُ من الناحية الأخلاقية إعداد نسخة تشبه الأصل قدر الإمكان. وبالنظر إلى الأبعاد التاريخية للعمل، يتحوّل "الدكتاتور" إلى منتَج جاهز جمعي أو ينطوي على حنين للماضي. وكأن السلاح الأصلي نفسه لم يحظَ بنفس الاهتمام الذي ناله كل أولئك الأشخاص الذي واجهوا المدفع على مر الزمن. هذه أعمال جمعية وصور استحالت جزءاً من تاريخنا بحيث يصبح مؤلفوها وصُنّاعها غير مهمين جداً. العمل نفسه أو الصورة هو ما يلقى أهمية كبيرة، والشخوص الفعلية الكامنة وراء العمل ليست العنصر الهام. فلسفة المنتجات الجاهزة بالنسبة لي تعني أن كل شيء متاح. وفيما يتعلّق بالتاريخ الإنساني، يصبح مفهوم الامتلاك غير موجود أبداً. فكل شيء متوافر.

عتائق

تُعد منحوتــات العصر الحجري القديــم مثل تمثال "فينــوس فيلندورف" أو تمثــال "فينــوس ليســبوغ" مــن بيــن أعمالــي الفنيــة المفضلــة، أحــب شــكلها والإحســاس الــذي تخلقــه عنــد مســكها باليــد. لقــد حظيــت هــذه القطع بأهميــة في المجتمــع المحلي الــذي تواجــدت فيه، وهي نمــاذج أصليــة مــن حقبتهــا، وتســاعدنا تلــك المنحوتــات علــى النجــاة بأنفســنا لأنها تجســيد للوفــرة. عندما أقوم بإعداد أعمالي، لا أجلس وأبدأ التفكير بصنع أيقونة معينة. كل ما أقوم به هو الإصغاء لنفسي ومحاولة استحضار صور النماذج الأصلية. ذلك هو كل ما أحاول القيام به لتقديم شيء مشحون بهذا الشكل ويؤثر بك على المستوى الجسدي والفكري ويمسّ أحاسيسك. عمل "فينوس بالبالونات" مستلهمٌ من تمثال "فينوس فيلندورف"، وهذا ما يُفسّر الطابع الذي يكاد يكون شعائرياً للعمل.

في سلسلة "عتائق"، لا أحاول تغليف الأعمال بطبقات تاريخية بحيث تصبح عصية على الفهم إلا أذا قرأ المرء كتب تاريخ الفن أو التسلسل الزمني للحضارة. لكني مهتم بدلاً من ذلك بمعرفة ما يمور في دواخل الجمهور من خلال تلك الطبقات من الصور. إني على قناعة بأن الفن زاخر بالمعلومات، ويساعد على تشكيل وتطور لغة تتوسع وتتضخّم مفرداتها يوماً بعد آخر. ولكن هذه اللغة لا تصمد بحدّ ذاتها. فحالما أخذتُ أتعرّف على تاريخ الفن، بدأ الإحساس بتلك الصلة والعلاقة يروق لي. فهمُ الأبعاد الإنسانية والقيم الجمالية والمفاهيم البيئية وربطها مع بعضها البعض، يجعلك تبدأ بتكوين صورة عن الإمكانيات التي تتمتّع بها. ينتابك شعور بعملية تَحوُّل شديدة الوطأة، ويحصل التغيّر. يروق لي أن أتخيل تاريخ الفن وكأنه ربط حبّات البوشار سوية بإبرة وخيط.

كُرة التحديق

أتذكّر كيف كانت كُرات التحديق تسحرني في أفنية البيوت المحيطة بمنزلي عندما كنتُ صغيراً. فهي تعكس الصور من 360 درجة وبذلك تؤكد على وجودك وكينونتك وتُثبِّت موقعك في مكان محدد. كُرات التحديق تعكس الصور وهو أمر ينطوي على نوع من الكرم والسخاء. كان الناس في بلدتي يضعون هذه الكُرات أمام منازلهم، بحيث يمكن لكل من يمرّ قربها أن يختبر هذه التجربة البصرية الفريدة. وبذلك كانت هذه الكُرات تجسّد جانباً من الروح المجتمعية المحلية إلى حدٍّ ما. لا يتعيّن على جارك وضعها في فنائه، ولكنه يقوم بذلك من أجلك. في الوقت نفسه، أعتقد أن لكُرات التحديق صلة بالتاريخ الأوروبي. عندما أتأمّلها، يتداعى إلى ذهني عصر النهضة وماكيافيلّي وليوناردو دا فينشي. يحضرني كذلك دالي، وكذلك الحقبة الأقدم من التقاليد المسيحية وكلّ تلك الإحالات. الانعكاس الظاهر على هذه الكُرات له إسقاطات متعلقة بالهوية، وكذلك بالإثارة والتأكيد على الذات وإمكانية الوصول إلى حالات أسمى.

عندما أستخدم كُرة التحديق كخامة في أعمالي، يسمح لي ذلك أن أذهب بها إلى مدى أبعد بكثير، وأنا أنتقل من الحواس إلى دواخل الإنسان، ووصولاً إلى الفكر والمشاعر. في سلسلة "كُرة التحديق"، قمنا بصبّ قوالب لتماثيل وإعداد نسخ طبق الأصل للوحات من متاحف في باريس وبرلين وميونخ، ومن ثم جعلتُ هذه الأعمال تحتضن كُرات التحديق.

منذ فترة وأنا مهتم بعلاقة المُشاهِد بالعمل، وبالأخص مفهوم "حِصَّة المتفرّج" الذي نظَّر له مؤرخ الفن النمساوي ألويس ريغل. والفكرة بشكل مبسّط هي أن الفنانين عندما يرسمون لوحة أو يقومون بإعداد منحوتة أو تمثال، لن يصبح عملهم ناجزاً قبل أن يتفاعل معه مُشاهِد أو فردٌ من الجمهور. وانطلاقاً من هذا، تصبح التجربة من هذا المنظور متعلقة بك أنت، وبرغابتك، واهتماماتك، ومشاركتك، وعلاقتك مع الصورة. وفي سلسلة "كُرة التحديق"، يأتي التأثير مضاعفاً: تأكيدٌ على نفسك أنت، وبما أن صورة الأعمال نفسها منعكسة في الكُرة فإن التأكيد ينالها هي أيضاً.

باليه

يحضرني منزل جدي وجدتي وغرفة التلفاز بالتحديد. فقد احتفظا دائماً على طاولة الغرفة بمنفضة سجائر مصنوعة من الخزف على شكل تمثال صغير. عند وضع السيجارة على التمثال، يبدأ بالحركة. تلك الحركة سحرتني، وكنتُ على استعداد لأتأملها لساعات. منحني ذلك شعوراً بالمتعة وإحساساً بالإثارة لا أزال أبحث عنه عندما أتأمل الأشياء اليوم. شغفي بالخزفيات ينبع على الأرجح من ذلك المُجسّم الصغير. على المستوى الشخصي، لا أجد أن هناك أي فارق بين الإثارة التي يمكن أن يشعر بها أي شخص يتفاعل مع مثل هذا العمل، والإحساس بالفرص والإيمان بالمستقبل التي يمكن أن تنتاب المرء عند تأمل لوحة بديعة للرسّام بيتر بول روبنس أو عمل للفنان العظيم فراغونار. عندما أفكّر بهذه المنفضة، أستحضرُ تاريخي الشخصي. ولكن عندما أقدّم هذه الصور في صالة العرض، أحاول بذلك أن أُقدّم للجمهور إضاءة على تاريخهم الثقافي كذلك، وذكرياتهم مهما كانت.

في سلسلة "الباليه"، أتعامل مع صور مألوفة سواء من خلال أساطير أو أمور يومية، كما أتلاعب بفكرة الماضي والحاضر. وعندما أختار شيئاً ما ليكون محور عملي، فإن ذلك ينبع من رغبتي بإظهار جانب معين منه. دائماً ما أعدّ أعمالاً تساعد الناس على تخطّي اللحظة الأولى من التعامل مع الأشياء، بحيث أنهم عندما يتفاعلون مع الفن يكون جوهر ذلك متعلقاً بتاريخهم وإمكانياتهم.

احتفال

الفترة التي كنتُ أعمل فيها على سلسلة "احتفال" كانت مرهقة جداً بالنسبة لي. بدأتُ عندها بإعداد تلك الصور النموذجية للطفولة، كنتُ أرغب بالعمل لكي أشعر بالتفاؤل والبهجة والشباب، مع استخدام هذه الألوان النابضة بالحياة في خامات الأعمال.

أتذكّر أنني في إحدى الزيارات لابني، جلبتُ له معجون لعب. كنا نلعب على منضدة صغيرة في غرفة المعيشة وفجأة قال لي ’انظر! هنا!‘ مشيراً كيف كدّس ألوان المعجون واحداً فوق الآخر. مجرّد كومة من معجون اللعب، إلا أنه كان فخوراً للغاية، وكانت الكومة جميلة للغاية كذلك. أظهرتْ تلك الكومة كل ما أؤمن به بخصوص عدم إطلاق الأحكام. فالأطفال يحبّون اللون الأزرق لكونه أزرقاً وكذلك الأمرُ بالنسبة للزهري والأخضر وبقية الألوان. إنهم يحبّون كل شيء. وأنا أسعى لفن يمنحني نفس الشعور بالثقة الذي كنتُ أشعر به عند الانخراط في عوالم الفن والألوان وأنا في الرابعة أو الخامسة من عمري.

بالنسبة لعمليّ "كلب بالبالونات" و"قمر" فهما يشبهان تلك البالونات التي ينفخها مهرّج في حفلات عيد ميلاد الأطفال، إلا أن حجمها أكبر بكثير. أعتقد أن السبب في اختيار البالونات هو أنها تعكس مفهوم الذات بشكل كامل. ففي أجسادنا، يسود إحساس بالكثافة الداخلية: فهناك الدم والأحشاء والرئتان، أي أن دواخل الإنسان عميقة. لكن إذا تأملنا البالون، فإن كل شيء ينقلب فجأة، يصبح الجزء الداخلي فارغاً، بينما يصبح للعالَم الخارجي بعض العمق. ينتاب الناس نوع من الإحساس بالأمان عندما يشاهدون شيئاً منفوخاً كالبالون، والسبب هو أن ذلك الخواء المحيط به وتلك الرحابة والفضاء الفارغ يكتسب عمقاً. كما أن السطح الخارجي للبالونات عاكس بشكل كامل، وهو ما يُذكّر الجمهور على الدوام بوجودهم. تتمحور سلسلة "احتفال" بالنسبة لي حول الجمهور والعامّة وأحلامهم وذكرياتهم، بحيث يتحوّلون إلى منتَجات جاهزة.

لا أنظر إلى سلسلة "احتفال" باعتبارها أمراً محصوراً بالطفولة، بل أعتقد أنها تنطوي على صور أزلية. قد يتفاعل معها الأطفال، لكنها تنطوي على أشياء آمل أن تكون مهمة لكلّ العامة. تُعالِج الأعمال جوانب تستحضر لدى الناس طفولتهم وذكرياتهم. أردتُ أن تكون هذه السلسلة بمثابة أبواب مشرَّعة للعالَم أجمع، وللإمكانيات التي نتمتع بها، وللتعبير عن جانب مما يعتمل في أعماقنا. لطالما كان الفن بالنسبة لي بمثابة أداة، وفضاء تُهتُ في عوالمه، ونجحتُ بأن أخلق منه نوعاً من الحقيقة، واستكنتُ إليه في الأوقات الصعبة. أنا متفائل، وآمل أن تجلب سلسلة "احتفال" التفاؤل للناس حيال أنفسهم. إلا أنه لكي تكون متفائلاً، يجب عليك دائماً أن تنال حصتك من الطرف الآخر من المعادلة. ففي كل ما تقوم به، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الطرف الآخر. إذا أردتَ التعبير عن أمر بشكل متفائل، يجب أن ينطوي ذلك على قدر من التشاؤم وإلا فإنك لا تعطي مشاعرك حقها بالكامل. أتمنى لو أن أعمالي تتحلى بمصداقية شخصيات ديزني التي تنضح بتفاؤل كامل، ولكن هناك في الوقت نفسه شخصية الساحرة الشريرة التي تحمل التفاحة.

العديد من الأعمال في هذه السلسلة هي بمثابة ألعاب كبيرة. فعلى سبيل المثال، "قُبّعة الحفلة" هي نسخة عن قبعة ابني، ولكنها تمثّل في الوقت نفسه رمزاً لسنة كاملة واحتفالاً بعيد ميلاد المرء. عند تأمّل العمل، أول ما تستحضره مخيلتك هي عيد ميلاد ابنك أو ابنتك أو حتى عيد ميلادك أنت، أو تتذكر السيرك الذي زار بلدتك عندما كنتَ صغيراً واستمتعت جداً بعروضه.

مِن الجنة

أنا شديد الاهتمام بالأيقونات والرموز، ولأن جدارية الرسام ماساتشيو "الطرد من الفردوس" من أروع الأيقونات في العالَم، فقد كان لها وقع كبير على أعمالي منذ قمتُ بزيارة فلورنسا لكي أتأملها. تعود الجدارية إلى أوائل القرن الخامس عشر، وتطغى مشاعر الذنب والخزي على موضوعها. فالعمل مثير للإعجاب كثيراً من الناحية النفسية بالنسبة لي، لأن شخصيات اللوحة تبدو يائسة بسبب شعورها بالعار. أردتُ إعداد عمل يُشدِّد على أهمية التخلي عن تلك المشاعر. يتمحور عملي هذا، الذي يعود إلى أوائل تسعينيات القرن الماضي، حول محاولة التغلب على مشاعر الخزي، وقبول المرء لتاريخيه وماضيه، متجردّاً من مشاعر الخوف، والأحكام المسبقة، والإحراج. إذ تدور هذه الأعمال حول حب المرء لأذواقه الخاصة وأصوله الثقافية. والغاية من الأزهار تشجيع الناس على تقبّل ماضيهم، فإظهار الجمال في أبسط الأمور يجعل الناس يتصالحون مع تاريخهم. هذا العمل يتمحور حول الأمور التي تحول دون تبنّي الناس لهويتهم كما هي، واعتناق كينونتهم.

أتطلّع في عملي لأن أترك بصمة واضحة في حياة الناس. أريد التواصل مع أكبر شريحة ممكنة من الأشخاص. ففي أوروبا إبَّان القرن السابع عشر، استخدمتِ المؤسسة الكنسية فن الباروك لاستقطاب الحشود وإقناعها، ولكن هذا الفن انطوى في الوقت نفسه على تجربة روحانية. إني على قناعة أن على الفنانين توظيف أنفسهم والاضطلاع بمسؤولية توظيف جمهورهم. تَستخدم كثير من أعمالي فن الباروك لإظهار أننا نعيش في عالَم الروحانيات والأبدية. تسود في أعمالي فكرة تلبية احتياجات المرء بهذا المستوى من الترف والوفرة، إذْ بوسعه أن يشعر بالأمان وينال ما يحتاجه من اهتمام ورعاية، ويعيش تجربة سامية.

قرد بالبالونات

قبل تنفيذ عمل "قرد بالبالونات" اشتريتُ نسخة تعود لعام 1920 من مجلّة الحركة الدادائية "كانيبال" وقد نشر فرانسيس بيكابيا على غلافها لوحة له ووضع فوقها قرداً. والعمــل الفنــي (علــى النحــو المبيــّن أدنــاه)، يُظهــر قــرداً وضــع ذيله بيــن قدميــه. لطالمــا اعتبــرتُ أن هذه اللوحة تتمحور حول الفناء، وتنطوي على توتر وحشي وجسديّ. يسود طابع فوضوي في عمل بيكابيا، وكأنه يشهد تصارع قوى وتقنيات متضاربة فيما بينها. على المستوى الشخصي، لطالما أردتُ إعداد أعمال تُشعِر الناس بالراحة، دون أن يكتنفها أي تهديد فعليّ. ولكني في الوقت نفسه أقوم بأمور تجلب الراحة، وهناك لحظات يحصل فيها أمر مضحك أو غريب أو عاديّ جداً. صور القرود قريبة من الناس، ولكنها تمثّل أيضاً رموزاً للفناء، وهو ما ينطوي على إحساس بالرحة أيضاً. يصبح الرمز عندها مفتوحاً للتأويل، بحيث يمكن للناس أن يتوقفوا ويفردوا حيّزاً إضافياً من الوقت لكي يتبصّروا في الأمر.

لوحة بيكابيا، وكما يُشير عنوانها، هي أيضاً بورتريه لفنان: بورتريه لسيزان ورينوار ورامبرانت. ولطالما اعتبرتُ أن العمل يريد إيصال فكرة مفادها أن كافة الفنانين هم كالقرَدة بشكل أو بآخر. فهم يخدعون أنفسهم إن ظنّوا أنهم يضطلعون بأي شيء. وبطبيعة الحال، عندما كنتُ فناناً شاباً، أردتُ أن أُظهر للناس أني أتوق لجعل إمكانياتي، مهما كانت، تثمر على أرض الواقع. ولكن القيد الوحيد الذي أواجه هو الذات، والأمور التي تطرحها، وهذا تماماً يحمّسني.

شارك هذه الصفحة