ENG
جميع القصص

حوار مع الفنانة ديما سروجي

28 يوليو 2026

أجرى الحوار: ريم شداد

تسعى الفنانة والمعمارية الفلسطينية ديما سروجي، من خلال الأفلام والخرائط والحرف التقليدية مثل نفخ الزجاج، إلى ترميم جوانب محددة طمسها علم الآثار الاستعماري والانحياز المؤسسي. وتناقش في هذه المقابلة الثقل السياسي للتقاليد المادية، وتوظيف العمارة في الرفض والمقاومة، وحقيقة أرض الأجداد.

المشاركة مع صديق

كيف أثرت خلفيتكِ في مجال العمارة في طريقة تعاملكِ مع المشاهد الطبيعية بصفتها أرشيفاً حياً؟

ليست العمارة هي التي أثرت في طريقة فهمي للمشهد الطبيعي، بل إن خلفيتي ونشأتي في هذه المنطقة صاغتا هذا المنظور. فالأرض عبارة عن طبقات تاريخية من ثقافة مستمرة ومتراكمة، وتحاول ممارستي الفنية التقاط العقد الممتدة على طول هذا الخيط العميق.

لقد علمني التعليم المعماري بالفعل كيف أفهم الآثار، وأن أقرأ ما تبقى وما بُني فوقه، ومما لا شك فيه أن هذا صقل نظرتي للأمور. لكن الدافع وراء رؤية الأرض أرشيفاً حياً سبق ذلك، وجاء بشكل تلقائي وبديهي.

يتناول عملكِ التاريخ الاستعماري لعلم الآثار؛ كيف تحاولين تفكيك الاستعمار في طريقة نظرتنا إلى القطع الأثرية والتربة التي تخرج منها؟

أتعامل بحذر مع مصطلح "التحرر من الاستعمار" في هذا السياق، لأنه قد يختزل ما هو في الحقيقة مجموعة من أشكال العنف المحددة والمستمرة. وما أحاول القيام به في ممارستي أكثر تحديداً من مجرد نقد عام لعلم الآثار الاستعماري، إذ أسعى إلى استعادة وقائع محددة جرى محوها. إنها ممارسة فاعلة أكثر من كونها مجرد انتقال في زاوية النظر من منظور استعماري إلى منظور مناهض للاستعمار.

غالباً ما انطوت عمليات التنقيب عن المواقع الأثرية الفلسطينية على تهميش للجهد الفكري والبدني الفلسطيني. وبالمثل، فإن الأواني الزجاجية التي انتهى بها المطاف في مجموعات المتاحف في أنحاء أوروبا وأميركا الشمالية صُنعت وفق تقاليد ما تزال حية في القرى الفلسطينية. إن المسافة بين قطعة تُصنف على أنها أثر روماني في مؤسسة غربية، وإناء صُنع بالتقنيات نفسها في جبع والخليل اليوم، ليست مسافة زمنية أو نوعية، بل هي مسافة ناتجة عن الاستحواذ الاستعماري وأنظمة القيم التي تبرره.

لذلك، يقوم نهجي على العمل عن كثب مع قطع محددة، وأرشيفات معينة، وتربة مخصصة، وطرح أسئلة دقيقة للغاية حول كيفية وصولها إلى الأماكن التي هي فيها اليوم، وعن الأيدي العاملة والمعارف التي أنتجتها.

AR

علي الانصاري، بإذن من متاحف قطر، ©2025

النسخة المطابقة ليست تعويضاً عن الأصل الغائب، بل جدال حول من يملك الحق في تحديد ما هو حقيقي

ديما سروجي

في عملكِ القائم على الحرف القديمة مثل نفخ الزجاج، كيف يسهم إحياء التقنيات التقليدية في استعادة التراث الذي تعرض للاقتلاع؟

لطالما كانت علاقتي بالزجاج أكثر تعقيداً من ذلك. عندما التقيت بنفاخي الزجاج في جبع لأول مرة أثناء عملي مع مركز "رواق" في الضفة الغربية، لم يكن هذا التقليد قد اندثر؛ بل كان حياً ونشطاً، ومقيداً، وغير مرئي إلى حد كبير للمؤسسات التي تدعي الأحقية والوصاية على التراث المادي للمنطقة.

ما شدني لم يكن الحفاظ على الحرفة لذاتها، بل مسألة القيمة. إن تقاليد صناعة الزجاج ذاتها التي أنتجت الأواني المحفوظة الآن في مجموعات المتاحف في جميع أنحاء أوروبا وأميركا الشمالية ما تزال حية بأيدي الفلسطينيين. وكان العمل مع تلك الأيدي المبدعة، وصنع نسخ مطابقة متعمدة لاحقاً للقطع المهجرة والمحفوظة في مؤسسات مثل متحف فكتوريا وألبرت، وسيلة للتساؤل عما يجعل قطعة ما أثراً لا يقدر بثمن، ونسخة أخرى مزورة. وغالباً ما يكون الجواب قائماً على منطق استعماري.

لا تقتصر ممارسة صناعة الزجاج على استعادة تراث مُقتلع، بل تتعلق أكثر بكشف آليات هذا الاقتلاع، وتأكيد أن التقاليد الحية تحمل الثقل والأهمية ذاتها التي تحملها القطع المستخرجة من التنقيب.

غالباً ما تستخدمين النسخ المطابقة أو "المزورة" في فنكِ؛ كيف يساعدكِ ابتكار هذه القطع على التعامل مع واقع وجود القطع الأثرية الأصلية في مؤسسات بعيدة؟

إن كلمة "تزوير" نفسها تقوم بجهد أيديولوجي كبير حتى قبل صنع القطعة؛ إذ تفترض وجود قطعة أثرية أصلية لا يجوز التشكيك في أصالتها، ومحفوظة في مكان شرعي، ولدى جهة يُفترض أنها تملك حق الاحتفاظ بها. وتبدأ ممارستي الفنية من التشكيك في هذه الافتراضات بالذات.

عندما صنعت نسخاً مطابقة لأوانٍ زجاجية من العصر الروماني من بلاد الشام لسلسلة "أشباح"، كنت أعمل على قطع تقبع في مجموعات المتاحف في أنحاء أوروبا، وتُصنف على أنها قطع أثرية قديمة، تحظى بالحماية والتقدير بناءً على ذلك. لكن تقاليد صناعة الزجاج نفسها التي أنتجت تلك الأواني ما تزال حية في فلسطين؛ فنفاخو الزجاج في جبع يصنعون الأواني بتقنيات متوارثة منذ أجيال، وكثير مما ينتجونه للسوق السياحية يُصنف بالفعل بشكل غير رسمي على أنه "نسخ مزورة" لقطع قديمة. تُطلق هذه الكلمة على عملهم الحي، بينما تقبع الأصول المستخرجة بالتنقيب خلف واجهات زجاجية في مؤسسات استحوذت عليها في ظل ظروف استعمارية.

إن إنتاج نسخ مطابقة مقصودة ووضعها على قواعد عرض إلى جانب القطع الأصلية هو وسيلة لإظهار هذا التناقض بصورة ملموسة. فهو يدعو المشاهد إلى الإحساس بهشاشة هذا التمييز، والوقوف أمام قطعتين ليتساءل: ما الذي يفصل بينهما حقاً؟ ثم يقوده هذا السؤال إلى الأنظمة السياسية والاقتصادية التي صنعت هذا الجواب.

AR

علي الانصاري، بإذن من متاحف قطر، ©2025

بالنسبة لعملكِ في معرض "نرفض/رفضنا"، كيف تستخدمين مفهوم الرفض لتحدي الطريقة التقليدية التي تُروى بها السرديات التاريخية عن فلسطين؟

ينطلق مشروع يافا من وثيقة تجاهلها التاريخ إلى حد كبير، وهي مشروع تخطيط المدينة العام الذي تكفل بإعداده يوسف هيكل عام 1946 (وهو آخر رئيس بلدية فلسطيني لمدينة يافا) وأسنده إلى المهندس المعماري المصري علي المليجي مسعود الذي تلقى تدريبه في بريطانيا. كان المخطط محاولة لتقديم يافا بصفتها مدينة "حديثة" و"متحضرة" لسلطات الانتداب البريطاني، في محاولة أخيرة للدفاع عن حقها في أن تظل مدينة فلسطينية.

وما يحاول العمل التمسك به هو المفارقة الكامنة في تلك الخطوة؛ فمن خلال تبني تعريف المستعمر نفسه للحداثة، احتوى المخطط بالفعل على منطق محوه وطمسه. وغالباً ما تقدم السرديات التاريخية التقليدية عن فلسطين هذه المرحلة باعتبارها نتيجة حتمية، وكأن ما حدث كان المسار الوحيد الممكن. أما العمل على مخطط لم يُنفذ قط، فيؤكد أن التاريخ لم يكن حتمياً، وأن هناك مستقبلاً آخر جرى تخيله ورسمه، ثم رُفض بالقوة. والعمل لا يرثي هذا المخطط، بل يقدمه دليلاً على أن الخيال السياسي والمعماري الفلسطيني كان حاضراً ومتقدماً، وأنه تعرض للتهميش بصورة متعمدة.

كيف تتعاملين مع فكرة المخططات المعمارية "غير المنفذة" بصفتها وسيلة لتخيل مستقبل مختلف للمشهد الطبيعي الفلسطيني؟

إن اهتمامي بهذه المخططات ليس تخمينياً بدافع الفانتازيا أو الخيال المحض، بل يهمني هذا التاريخ غير المنفذ بمعناه الآلي والميكانيكي؛ إذ أريد فهم ما كان ممكناً، وما جرى منعه، وبأي آليات. فالفجوة بين المخطط وتنفيذه في السياق الفلسطيني هي في الغالب فجوة سياسية، وسجل للتدخل والرفض من قوى خارج المجتمع الذي وُضعت الخطط من أجله. وهذه المخططات دليل على أن الخيال سبق المحو، وأن المعماريين ورؤساء البلديات والمجتمعات الفلسطينية كانوا يفكرون بجدية واستقلالية في مستقبلهم. وما تبقى اليوم هو فجوة ما كان يمكن أن يكون. إنه تصور لماضٍ بديل أكثر منه تصوراً لمستقبل. ففي ظل الظروف الراهنة، من الإبادة الجماعية المستمرة وتغول المستوطنين في الضفة الغربية، يصبح التفكير في المستقبل أمراً بالغ الصعوبة.

AR

علي الانصاري، بإذن من متاحف قطر، ©2025

يغيب نفق الملكة هيلانة، الذي يعود تاريخه إلى أربعة آلاف عام، إلى حد كبير عن الوعي العالمي بتراث غزة. كيف تسهم النقوش في عملك "بنى تستعيد الزمن" الذي عُرض في بينالي البندقية للعمارة 2025 في الكشف عن هذه التواريخ الخفية تحت الأرض أمام الزوار؟

يتعامل العمل مع هذا الفضاء بوصفه حقيقة معمارية وإنسانية، ويحوّله إلى مكان يحتضن الذاكرة والتأمل والتراث أيضاً. وتحمل الأسقف تضاريس الطبيعة في غزة. فالهيكل يبدو ضخماً من الخارج، لكنه حميمي من الداخل، فهو ملجأ يشبه متحفاً صغيراً، ومصلى، ومساحة للهدوء واستعادة التوازن. وينظر المشروع إلى الأنفاق باعتبارها بنية تحتية أساسية تؤدي الوظيفة المعمارية الأولى، وهي توفير المأوى.

اقرأ أكثر عن أعمال ديما سروجي في معرض "نرفض/رفضنا" وتعرف أكثر إلى الفنانة نفسها منهنا. خطط لزيارة متحف: المتحف العربي للفن الحديث.