جميع القصص

حوار مع الفنانة نور شنتوت

تستخدم الفنانة والباحثة والمعلمة السورية الفلسطينية نور شنتوت "التطريز" الفلسطيني التقليدي باعتباره أرشيفاً تاريخياً حياً. وفي مشاركتها في المعرض الجماعي متعدد الأجيال "نَرفُض / رَفَضنا"، تحوّل شنتوت هذه الحرفة التقليدية إلى أداة فاعلة للمقاومة السياسية. ومع كل غرزة، تحارب شنتوت محاولات الطمس الثقافي وتحافظ على الذاكرة الجماعية حية في مجتمعات الشتات.

المشاركة مع صديق

السؤال: سبق أن انتقدتِ ما تصفينه بالأساليب المتحفية التقليدية والمألوفة في عرض المقتنيات التاريخية والثقافية. ما الذي تقصدينه بذلك؟

نور شنتوت: تقدم المتاحف نفسها كفضاءات محايدة للمعرفة، إلا أن تاريخها في بلدان الشمال العالمي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاستعمار. وخاصة في حالة المتاحف الإثنوغرافية التي بُنيت من خلال النهب الاستعماري، حيث تحمل مقتنياتها آثار الظروف العنيفة التي انتُزعت فيها هذه القطع من أصحابها. وتخضع المقتنيات في هذه المجموعات لعملية تفكيك منهجية تهدف إلى فصل الشعوب المستعمَرة والسكان الأصليين عن تاريخهم وثقافاتهم.

ومع ذلك، تتجنب المتاحف الإثنوغرافية اليوم تقديم سرديات بديلة تتحدى أسلوب أرشفة هذه القطع وعرضها. كما تلتزم الصمت حيال أصول مقتنياتها. وتعمل "الجماليات المتحفية المألوفة" على بناء وترسيخ التطبيع تجاه السرديات الاستعمارية، لتبدو وكأنها طبيعية، لا سرديات جرى بناؤها وصياغتها.

س: كيف صممتِ عملكِ التركيبي في متحف لتحدّي الأساليب التقليدية في عرض الثقافة الفلسطينية؟ وكيف تجسد القطع التي تتضمن التطريز في معرض "نَرفُض / رَفَضنا" فكرة الأرشيف الحي المقاوم بدلاً من كونها مجرد عرض للتراث الثقافي؟

شنتوت: يهدف عملي إلى تفكيك العملية الاستعمارية القائمة على التفكيك الممنهج، وذلك من خلال إعادة القصة إلى الثوب نفسه، ودراسة التطريز وممارسته بوصفه فناً معاصراً وحيّاً، بدلاً من معاملته كأثر محفوظ من الماضي. وذلك لأن التركيز على الماضي عند أرشفة التطريز الفلسطيني يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالنظرة الاستعمارية التي ترى التراث الثقافي للشعوب المستعمَرة مجرد بقايا من الماضي.

في عملي، تمثل المرأة المُطرِّزة حافظة للثقافة، وناقلة للمعرفة وراوية للحكايات، وهي مصدر تعلمي وإلهامي. ومع ذلك، غالباً ما تُغيّب النساء المُطرِّزات ودورهن عن أساليب أرشفة الأثواب الفلسطينية وعرضها، لا سيما في سياق المتاحف الإثنوغرافية الأوروبية.

AR

علي الانصاري، بإذن من متاحف قطر، ©2025

س: أنتِ تتعاملين مع التطريز باعتباره "ذاكرة مضادة". كيف تحوّلين السرديات الحميمة والمؤلمة المرتبطة بالتهجير إلى أنماط بصرية مطرزة؟

شنتوت: في عام 2019، بدأت العمل مع جدتي في دمشق، إلى جانب نساء أخريات من المدينة وضواحيها. علمنني التطريز من خلال الحكايات والرموز والزخارف، والكتب، ومجموعاتهن الشخصية. ولأرشفة التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على التطريز الفلسطيني بوصفه ممارسة مرتبطة بالنساء في سوريا، كان عليّ أولاً أن أبني علاقة جسدية معه؛ وأن أتعلم قواعده من خلال الممارسة. وكثيراً ما قيل لي إن تعلم التقنيات بحد ذاته ليس صعباً، لكن التحدي الحقيقي يكمن في الصبر.

فالتطريز اليدوي عملية متكررة وبطيئة وشديدة الخصوصية. وبعد سنوات من التفكير في التطريز الفلسطيني وممارسته، وجدت فيه ملاذاً حين عجزت اللغة المكتوبة عن التعبير، ولا سيما بعد الإبادة الجماعية في غزة. لكن التطريز ليس مجرد وسيلة للتعامل مع الحزن والألم. فقبل النكبة، كان تعلم التطريز مرتبطاً أساساً بأثواب الأعراس. وممارسته اليوم تمثل شكلاً من أشكال المقاومة ضد الاستيلاء الثقافي، كما أنها احتفاء بالتراث الثقافي الفلسطيني.

س: كيف يحاول عملكِ التخلص من السرديات التاريخية التقليدية من خلال التطريز؟

شنتوت: يتحول فعل الغرز في أعمالي إلى وسيلة لنقد السرديات التاريخية السائدة والتخلص من مسلّماتها. وذلك من خلال إعادة تقديم التطريز بوصفه أرشيفاً حياً غير خطّي وشخصياً، يحمل في طياته القدرة على معارضة السرديات الرائدة وإعادة النظر فيها.

AR

علي الانصاري، بإذن من متاحف قطر، ©2025

س: كيف توظفين المواد والألوان والتقنيات الخاصة بالتطريز التقليدي لتوثيق الأحداث السياسية المعاصرة؟

شنتوت: استمر التطريز التقليدي في التغير والتطور بعد النكبة، لكن تحويل هذه الممارسة إلى إطار مؤسساتي مرتبط بالمنظمات غير الحكومية حدّ من أشكال التطريز الممكنة اليوم. وفي عملي "البحث عن الثوب الجديد"، المعروض في معرض "نَرفُض / رَفَضنا"، أسعى إلى مواصلة التقليد الذي تعلمته جدتي في المدرسة في الأردن، ومارسَته لاحقاً، وارتدته بوصفه موقفاً أو بياناً سياسياً، مع تطويع لغته البصرية لتعكس الحقائق السياسية المعاصرة من موقعي اليوم.

على سبيل المثال، طرزت جدتي خريطة فلسطين قبل النكبة، بينما أطرز أنا جغرافيتها الحالية، حيث أرسم خريطة المخيمات الفلسطينية الرسمية وغير الرسمية في لبنان وسوريا والأردن وفلسطين. وأرفق هذا العمل بحوار مع الفيلسوف والمنظّر الثقافي سامي الخطيب حول التطريز بوصفه تقليداً للمضطهدين، مستخدمةً رسم الخرائط وإعادة رسمها كأسلوب فني لفهم كيف يستمر هذا التقليد ويتغير في ظل الرأسمالية المعاصرة.

TBA

نور شنتوت. خريطة المخيمات الفلسطينية الرسمية وغير الرسمية في لبنان وسوريا والأردن وفلسطين. بإذن من ليونارد هيلتسنزاور.

أما فيما يتعلق بالمواد، فأنا أعمل باستخدام مواد مستمدة من عملي الميداني، وفي بعض الأحيان من تاريخ عائلتي، مما يضع التطريز ضمن التجربة المُعاشة والتواريخ المتوارثة. على سبيل المثال، أستخدم قماش "الإيتامين"، والذي يُستخدم عادةً في أعمال التطريز صغيرة الحجم، وفي تعلم التطريز، حيث تسهّل الثقوب الموجودة بين خيوطه هذه العملية.

س: ما هي المسؤولية التي تشعرين بها كفنانة لضمان ألا تُرى المُطرَّزات فحسب، بل أن تُسمع وتؤثر؟

شنتوت: إن تعلم التطريز الفلسطيني يحمل في طياته مسؤولية قول الحقيقة في وجه السلطة، والعمل ضد نزع الطابع السياسي عن هذه الممارسة. ولتحقيق ذلك، أُصرّ على الربط بين النظرية والممارسة المناهضتين للاستعمار، وبين القصة والمجتمع، وبين الزخارف والأرض.

اقرأ عن عمل نور شنتوت في معرض "نَرفُض / رَفَضنا" واعرف أكثر عن الفنانة نفسها من هنا. خطط اليوم لزيارة متحف.

ريم شداد أخصائي تحرير محتوى أول في متاحف قطر.