Fire Station's facade.
جميع القصص

بين الأمس واليوم: مطافئ، من مقر للدفاع المدني إلى فضاء إبداعي

بقلم: محمد آل ثاني

في قلب الدوحة، شهد مبنىً عُرف يوماً بسباقه مع الزمن، تحولاً جوهرياً، فغدا اليوم فضاءً يحتفي بالتأمل والإنتاج الفني. يجسد مطافئ: مقر الفنانين مساراً استثنائياً في تطويع الغاية والمضمون؛ إذ تحول من مقر الإدارة العامة للدفاع المدني إلى حاضنة للفن المعاصر والتطوير الإبداعي، في تجربة تعكس كيف يمكن للمساحات أن تتطور وتتجدد مع الحفاظ على بصمتها وهويتها الأصيلة. وبوصفه نموذجاً رائداً لمشاريع "إعادة الاستخدام المتكيف" للمباني، ينجح "مطافئ" في حفظ مَعلم مدني معروف، فاتحاً في الوقت ذاته آفاقاً رحبة للفنانين والجمهور على حد سواء.

المشاركة مع صديق

من الخدمة العامة إلى الرؤية الثقافية

شُيد هذا المبنى في عام 1982 ليكون مقراً للإدارة العامة للدفاع المدني التابعة لوزارة الداخلية، وظل لأكثر من ثلاثة عقود مكاناً يجسد الجاهزية والاستجابة والخدمة العامة. استمر المبنى في أداء مهامه كمركز للإطفاء حتى عام 2012، وما يزال يمثل أحد أكثر المعالم شهرة وألفة لدى المواطنين والمقيمين في دولة قطر.

وفي عام 2013، شرعت متاحف قطر في إعادة رسم ملامح مستقبل المبنى ضمن رؤية أوسع قادتها سعادة الشيخة المياسة بنت حمد بن خليفة آل ثاني، رئيس مجلس أمناء متاحف قطر. وقد وضع هذا التحول مطافئ كمنصة مستدامة للتطور الفني، تدعم الممارسات الإبداعية، والتوجيه المهني، والتفاعل المجتمعي، ضمن المنظومة الثقافية الشاملة لمتاحف قطر.

وبدلاً من استبدال المبنى القديم، ركزت عملية التحول على الحفاظ على واجهته الخارجية المميزة مع إعادة تعريف دور هذا المبنى داخل المشهد الثقافي في الدوحة. فما الذي تغير وكيف أُعيد استغلال المساحات؟

مطافئ: بين الماضي والحاضر

  • 1982: شُيد ليكون مقراً للإدارة العامة للدفاع المدني في قطر.
  • 2012: انتهاء العمليات التشغيلية للمبنى كمركز إطفاء.
  • 2015: أُعيد افتتاحه باسم "مطافئ: مقر الفنانين"، ليصبح مركزاً للفن المعاصر وبرامج الإقامة الفنية.
txt

المقر السابق للإدارة العامة للدفاع المدني في قطر. الصورة: بإذن من مطافئ ©1982–2012.

Qatar's former Civil Defence Department with fire trucks in view. Photo: Courtesy of Fire Station ©1982-2012.

المقر السابق للإدارة العامة للدفاع المدني في قطر وتظهر عنده سيارات الإطفاء. الصورة: بإذن من مطافئ ©1982–2012.

txt

المقر السابق للإدارة العامة للدفاع المدني في قطر. الصورة: بإذن من مطافئ ©1982–2012.

إعادة تصور المكان

قاد عملية إعادة التصميم المهندس المعماري القطري إبراهيم الجيدة، الذي نجح في الحفاظ على شخصية المبنى مع تهيئة مساحاته الداخلية لتناسب متطلبات الممارسات الفنية. وعندما أعيد افتتاح مطافئ في عام 2015، قدم نموذجاً مكانياً جديداً يتمحور حول الإنتاج والتبادل المعرفي.

يضم المبنى الآن استوديوهات للفنانين، وعدة قاعات عرض، ومساحات للمشاركة المجتمعية، لينتقل دوره من الاستجابة لحالات الطوارئ إلى الإنتاج الإبداعي، مع الاحتفاظ بآثار واضحة من الماضي؛ وهي استراتيجية تصميم تتماشى مع التزام دولة قطر بالحفاظ على الموروث الثقافي.

كما يعمل مطافئ كمركز متعدد الأغراض للفن المعاصر، حيث يضم مرافق تدعم الإنتاج والعرض والتعلم، بما في ذلك صالات عرض، ومسرح، وورش عمل، ومعمل التصنيع الرقمي "فاب لاب"، بالإضافة إلى المساحات المشتركة للندوات والتبادل الفكري.

كما يحتضن مطافئ مطعماً شهيراً هو كافيه #999، وهو المطعم الثالث للشيف ألان دوكاس في قطر، هو شيف شهير حائز على نجوم ميشلان. ويضم أيضاً متجر كاس آرت لأدوات الفن، الذي يوفر كافة المستلزمات من ألوان الأكريليك وصولاً إلى أقلام العلامة التجارية العريقة فابر كاستل.

txt

ساحة مطافئ: مقر الفنانين وقاعات العرض. الصورة: بإذن من مطافئ ©2025.

txt

واجهة مطافئ الشهيرة بتصميمها الشبيه بخلية النحل، وساحة وقاعات العرض. الصورة: بإذن من مطافئ ©2025.

txt

واجهة مطافئ الشهيرة بتصميمها الشبيه بخلية النحل، وساحة وقاعات العرض. الصورة: بإذن من مطافئ ©2025.

دعم التطور الفني

يكمن جوهر مطافئ في التزامه برعاية المواهب الفنية. وقد أرسى برنامج الإقامة الفنية ركيزة أساسية لدعم الفنانين الصاعدين عبر توفير المساحات والتوجيه والإرشاد الفني. ثم تطور البرنامج لاحقاً إلى برنامج الدراسة المكثّفة للفنانين. يقود هذا البرنامج المدير الفني وائل شوقي، وهو برنامج ممول بالكامل يمتد 9 أشهر، ويجمع بين فنانين قطريين ودوليين صاعدين في بيئة فنية شاملة تدمج بين العمل في الاستوديو والحوار النقدي والتطوير التقني. وتتوج كل دورة بمعرض ختامي يعرض نتاج عام كامل من البحث والتجريب.

txt

الفنانة المقيمة ريم الشمري. الصورة: بإذن من مطافئ ©2025.

txt

الفنانة المقيمة ناتاليا ميهيا. الصورة: بإذن من مطافئ ©2025.

txt

الفنانة المقيمة سورابي جايكواد. الصورة: بإذن من مطافئ ©2025.

وشملت الموضوعات السابقة معارض مثل "بوابات متغيرة"، الذي استكشف الذاكرة والعوالم المتخيلة في المكان ذاته. ومعرض "بيت يطل على العالم" الذي طرح تساؤلات جوهرية حول الهوية والانتماء. ومعرض "الحاضر: مستقبل الأمس" الذي سلط الضوء على قوة العمليات الفنية.

مطافئ هو فضاء للفن المعاصر يلتزم بدعم الفنانين والقيمين الفنيين من خلال برامج الإقامة الفنية، وإشراك المجتمعات المحلية في قطر عبر الفعاليات والفرص المختلفة، بما في ذلك المعارض والبرامج العامة.

— وائل شوقي، المدير الفني، مطافئ

فضاء للمجتمع والتبادل الثقافي

اليوم، يتجاوز مطافئ حدود الاستوديوهات ليعمل كوجهة ثقافية واسعة النطاق. فمن خلال المعارض والمحاضرات وورش العمل وعروض الأفلام، يدعو الجمهور للتفاعل المباشر مع الأفكار وعمليات الإبداع الفني.

ويتخطى تأثير مطافئ حدود البرامج الفردية؛ إذ أصبح مطافئ نقطة اتصال بين الفنانين والقيمين الفنيين والجمهور، مما ساهم في نقل الممارسات المعاصرة إلى فضاء الحوار المفتوح وتعزيز وجود مجتمع إبداعي ملموس في الدوحة.

يعكس تحول مطافئ تغير دور الأماكن في خدمة المجتمع؛ من موقع للخدمة العامة إلى صرح للتبادل الثقافي، حاملاً ماضيه إلى حاضره، مقدماً في الوقت نفسه الدعم للفنانين الذين يشكلون ملامح مستقبله.