السؤال: ما هو انطباعك الأول عن هذا المعرض التفاعلي في الدوحة؟ وأي الذكريات استحضرتها ذاكرتك عن والدك؟
ما بين الترحال والإرث الفني: حوار مع نجل الفنان مقبول فدا حسين
في هذا الحوار مع الفنان أويس حسين، نعيد تسليط الضوء على معرض "مقبول فدا حسين: جذور وعصور"، من زاوية تحمل طابعاً نقدياً حميمياً، يقدّم فيها نجل عملاق الفن العالمي، والفنان متعدد التخصصات، قراءة خاصة حول مفاهيم الإرث والاغتراب والهوية في إبداعات والده الفنية.

شيخة احمد علي، بإذن من متاحف قطر، ©2025
أويس حسين: كانت نشأتي في منزل والدتي أشبه بالعيش ضمن عمل تركيبي حيّ. كانت الأعمال الفنية تتراكم من حولنا في فوضى إبداعية، دائمة التحول، وفي مراحل إنجاز متفاوتة؛ بعضها يستند إلى الجدران، وبعضها مُثبّت مؤقتاً عليها. والجدران نفسها كانت مزدانة برسومات تمتد حتى السقف.
كان المنزل عملاً فنياً نابضاً بالحياة بالفعل لأن والدي، وكلّما عاد من تنقّلاته الدائمة، كان يواصل تعديل الجداريات والرسم فوقها مراراً، فيما استمر تدفّق اللوحات والرسومات لتملأ أرجاء البيت، ما بين ولادتها الأولى وانضمامها لاحقاً إلى مجموعات ومقتنيات فنية في مختلف أنحاء العالم. لم يكن الأثاث حاضراً تقريباً، باستثناء سجاد متفرق ووسائد، ما جعل جدران بيتنا الحاضر الأبرز في خضم هذه العملية الفنية المستمرة.
بدوره، يمثل هذا المعرض التفاعلي في 'كتارا'، والذي أعده متحف كيران نادار للفنون بالتعاون مع متاحف قطر، لفتة وفاء وتقدير لسنوات عطائه الأخيرة والغزيرة التي أمضاها في مرسمه الخاص هنا في الدوحة.
وكما في نسخته السابقة التي أقيمت خلال الدورة الستين من بينالي البندقية، عشت التجربة الغامرة لهذا المعرض مثل تجربة سينمائية؛ كأنني أسير داخل كبسولة زمنية، أتجوّل في ذاكرة افتراضية، لا تحمل البعد الملموس ذاته، لكنها مأهولة بذكريات تجربة عشتها ذات يوم، وهي ترقد الآن في مكان ما من حاضري اللاواعي كفنان.
س: تتناول أعمالك الفنية بعمق مواضيع الذاكرة والهوية. هل ترى أن والدك كان سينظر بإيجابية إلى هذا النوع من السرد الغامر؟
حسين: ما بين التهميش والنزوح، وبين بداياتي التي تشكلت في سعي مستمر نحو الانتماء، ومراحلي اللاحقة التي شهدت انعتاقاً من هذا السعي، إلى جانب إحساس راسخ بالحركة وعدم الثبات – جميعها مراحل مثّلت حيزاً تكوّنت فيه ملامح ممارستي الفنية، وتبلورت رحلتي كفنان.
بصورة أو بأخرى، لطالما سعى فني إلى رسم خرائط للمشاهد العاطفية الناتجة عن الترحال والاغتراب والذاكرة الموروثة، وهو ما ألهمني تصميم عوالم تحيط بالمتلقي وتحتضن حواسه عوض مواجهته مباشرة. وقد عزّز عملي على الرسم والشعر والسينما والصوت والأعمال المعلّقة قناعتي بأن الحيز ذاته يمكنه أن يغدو أداة سردية.
لذلك، أعتقد أن والدي كان سيُعجب كثيراً بهذه التجربة الغامرة؛ فقد قضى حياته في ترحالٍ إبداعي لا يهدأ بين مختلف الصيغ والوسائط الفنية، مقبلاً على كل منها بذات القدر من الفضول، سواء حين كان يرسم لوحات الإعلانات في بداياته أو في تجاربه الفلمية لاحقاً. والسرد الغامر، بطبقاته المتعددة من صوت وصورة وأبعاد وحركة، يحمل في طياته شيئاً من تلك الروح؛ فهو يذيب الحدود والحواجز تماماً كما كان يهوى هو أن يفعل، مستلهماً من الأساطير والثقافة الشعبية وتفاصيل الحياة اليومية لصياغة لغته البصرية الخاصة.

شيخة احمد علي، بإذن من متاحف قطر، ©2025
س: ما هي الدلالة الشخصية التي يحملها لك عنوان "جذور وعصور"؟
حسين: أرى في "جذور وعصور" صدى لتلك الازدواجية التي ميزت والدي؛ فبرغم ارتباطه الوثيق بالموروث الثقافي لبيئته الأولى، فإنه لم يتوقف عن عبور الحدود والبلدان. توزعت فصول حياته بين محطات متباينة، بدأت بمدن الطفولة ثم الانفجار الإبداعي في بومباي، وانتهت بمدنٍ استضافته وصارت له بيتاً ثانياً. إن هذا التنقل الدائم هو ما صاغ، في نهاية المطاف، شعورنا بالانتماء.

شيخة احمد علي، بإذن من متاحف قطر، ©2025
يعكس هذا المعرض أيضاً تجربتي الحياتية الخاصة؛ فبصفتي شخصاً عاش وارتحل وعمل بين أمكنة ولغات وتخصصات فنية متباينة، أشعر بارتباط عميق بتلك الجدلية القائمة بين 'التجذر' و'التنقل'. وبهذا المعنى، يغدو المعرض تكريماً ومرآة في آنٍ معاً؛ فهو يحتفي برحلة والدي الإبداعية، وفي الوقت ذاته يجسد حالة الاغتراب التي مستنا جميعاً، ليذكرنا بأن الجذور ليست مادية دائماً، بل قد توجد في الذاكرة، وفي الحكاية، وفي فعل الابتكار نفسه، حتى وإن ظلت الأرض تحت قدميك في حالة تحول دائم.
س: كيف ترى الطريقة التي تخاطب بها أعمال والدك الفنانين والجمهور في وقتنا الحالي؟
حسين: لعل الفنانين الشباب يجدون الإلهام في ممارسته الفنية التي لم تكن تهاب التجريب؛ وفي أعماله الضخمة التي لا تعرف التردد، وفي السلاسة التي تنقل بها بين التقاليد المختلفة، وكيف سمح للفن الشعبي والمعاصر بالتعايش داخل إطار واحد. لم يتهيب يوماً من التعقيد، بل دمج السرديات الكلاسيكية بالمفردات الحداثية في وقتٍ كان فيه ذلك التصرف فعلاً راديكالياً، وهذا الانفتاح هو ما يجعله حاضراً ومؤثراً حتى يومنا هذا.
أما لشرائح الجمهور الشابة، لا سيما من يحاولون استكشاف هوياتهم المتعددة في ظل واقع جغرافي مشتت، يقدم عمله ما يمكن أن نطلق عليه "تصريح عبور". فقد برهن أن الفنان قادر على الانفتاح على العالم بكل أبعاده، مستقياً من السينما وحياة الشارع والتراث دون قيود. وما تزال مفردات لغته الفنية معاصرة لأنها مرآة لعالمٍ دائم التغير، ومتناقض، وفي حالة تشكّل مستمرة.

شيخة احمد علي، بإذن من متاحف قطر، ©2025
س: كيف تأمل أن يسهم هذا المعرض في تقديم قراءة جديدة لتجربة مقبول فدا حسين؟
حسين: يمنح هذا المعرض الغامر الجمهور فرصة لاكتشاف والدي برؤية معاصرة، وبقراءة أكثر حميمية لعوالمه الفكرية والوجدانية؛ من حس الدعابة، والرقّة، إلى شغفه الدائم وتفاعله الإنساني العميق. المعرض يؤكد أيضاً أن إبداعه لم يعرف حدوداً؛ فرغم مركزية الرسم في مسيرته الفنية، امتد عمله الإبداعي إلى السينما، والطباعة، والجداريات، والتصميم، بل والشعر وفن الخط في مراحله المبكرة.
وفي الوقت ذاته، يحدوني الأمل في أن يسهم هذا المعرض في إضفاء نوع من التوازن على السردية المتعلقة بتاريخه.
إذ إن تقديره واحترامه للتنوّع الثقافي والروحي في الهند كان عميقاً، ومقاربته الفنية جاءت من منطلق الفضول المعرفي لا من نزعة استفزازية. وإذا ما نجح المعرض في إعادة التركيز على إنسانيته، وعلى فضوله، وعلى إيمانه الدائم بالفن كجسر يصل بين الثقافات، فلعله يكون قد حقق حينها هدفاً سامياً.
قد يُعجبك أيضاً

مقبول فدا حسين: جذور وعصور

لاتينو أمريكانو: لغة الفن لحوار عابر للثقافات

سرديات وأصداء: جولة في كواليس معرض "أطيافنا، أطيافكم" مع ماتيو أورليان



