بداية رحلة طويلة
قبل أن يقف الزائر أمام العمل الفني، تكون اللوحة أو القطعة قد قطعت بالفعل رحلة حافلة، وأحياناً طويلة.
يضم متحف: المتحف العربي للفن الحديث مجموعةً من أبرز الأعمال الفنية في العالم. وفي بهو المتحف، وقفت يوماً ثلاثة أعمال تُثير في نفوس الزائرين مشاعر الإعجاب والتواضع والفخر. هذه حكاية حفظ ما يمكن اعتباره، دون مبالغة، أحد أكثر البورتريهات شهرة في الدولة، إن لم يكن في العالم العربي بأسره.
قبل أن يقف الزائر أمام العمل الفني، تكون اللوحة أو القطعة قد قطعت بالفعل رحلة حافلة، وأحياناً طويلة.

فريق مقتنيات متحف يرتدي القفازات لتجنّب إلحاق أي ضرر بطبقة الطلاء في البورتريه.
في حالة هذا البورتريه الضخم، "حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر"، 2025، تبدأ الحكاية في مرسم هادئ يبعد آلاف الكيلومترات. الفنان يان بي-مينغ، الرسام الصيني الشهير المعروف بأعماله الملحمية الضخمة، أنجز هذا العمل بتكليف من متحف بمناسبة الذكرى 15 على تأسيسه.
بعد وضع لمساته الأخيرة، ثُبِّتت اللوحة بعناية على إطار شدّ صُمّم خصيصاً لها، ثم وضعت داخل صندوق مخصص للشحن وأُرسِلت إلى قطر. وقد اتُّبع هذا الإجراء لأن اللوحة كانت لا تزال رطبة عند تسليمها.
سافر يان بي-مينغ آلاف الأميال برفقة العمل، ليصل به بأمان إلى قطر، ويبدأ فصلاً جديداً في حياة هذا العمل الفني، عابراً الحدود ليُلهم جمهوراً جديداً.
قبل استقبال اللوحة في مقرها الجديد بأشهر، بدأ فريقا حفظ وإدارة المقتنيات في متحف التحضيرات لاستقبالها.
في البداية، صُنِع صندوق مخصص لحماية العمل من الاهتزازات أثناء النقل. وتكمن أهمية هذه العملية في أسباب عديدة؛ فعدم وضع الأعمال الفنية داخل صناديق أثناء النقل قد يؤدي إلى أضرار لا يمكن إصلاحها، مثل حدوث تشققات نتيجة الصدمات المفاجئة، أو ثقوب بسبب أجسام حادة، كما قد تتسبب الرطوبة في نمو العفن أو تشوّه القماش، إضافةً إلى تغيّر ألوان طبقات الطلاء، وقد يصل الأمر إلى تلف الإطار والبنية العامة للعمل.
لذلك توفّر الصناديق حماية من الصدمات، وامتصاصاً للاهتزازات، وحواجز للرطوبة، وتبطيناً داخلياً، بما يضمن رحلة آمنة.
وعند وصول العمل، جرى رصد مستويات الإضاءة وتقلّبات درجات الحرارة بعناية. وقد خُطِّط لكل مرحلة من مراحل التركيب بدقة، من حيث المناخ والتوقيت والحركة وأساليب المناولة. والسبب وراء مراقبة الضوء والحرارة يعود إلى كون زيادة الأشعة فوق البنفسجية قد تؤدي إلى بهتان الأصباغ وفقدان حيويتها، وتفكك مكونات الطلاء وضعف ألياف القماش. كما قد تؤدي تقلبات الحرارة إلى تقشّر الطلاء وتشقّقه، وضعف تماسك طبقاته، وترهّل القماش أو انكماشه.
وقد بلغت دقة العملية حدّاً جعل الفنان يان بي-مينغ حاضراً شخصياً خلال التركيب، كما رافقته ابنته وأحد أفراد فريقه، حيث سافروا مع الصندوق وانضمّوا إلى فريق المتحف أثناء شدّ اللوحة وتركيبها.

الفنان يان بي-مينغ وفريق متحف يتعاملون بحذر مع بورتريه صاحب السمو أثناء التحضير للتركيب.
إلى جانب عملية التركيب، واجهنا تحدياً آخر تمثّل في شدّ اللوحة على إطارها. وقد صُمّم هذا الإطار خصيصاً بحيث يتمدّد وينكمش مع تغيّرات الرطوبة ودرجات الحرارة.

الدعامة المصممة خصيصاً التي أنشأها فريق المتحف قبل وصول البورتريه.
بعد شدّ اللوحة على الدعامة الجديدة، بدأنا عملية التركيب بعناية. وكان موضع اللوحة محدداً مسبقاً، حيث وُضعت بين بورتريهين قائمين لصاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، وصاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
ينتمي البورتريهان الأقدم إلى المجموعة الدائمة لمتحف، وقد أُنجزا بتكليف عام 2010. وقد صُمِّمت هذه الأعمال معاً لتبدو كأنها والدان يتطلعان نحو مستقبل مشرق، في استعارة لمسيرة المتحف المتنامية.
كان من أبرز التحديات في هذا التركيب التعامل مع الدعامة بينما كانت اللوحة لا تزال رطبة ولا يمكن لمسها. ويُعد هذا تحدياً شائعاً في الأعمال المعاصرة نظراً لحداثة إنتاجها. كما يظهر هذا التحدي في أعمال "الإمباستو"، وهي تقنية تعتمد على استخدام طبقات كثيفة من الطلاء (غالباً زيتي أو أكريليك) تُظهر آثار الفرشاة أو السكين بوضوح وتكوّن سطحاً بارزاً قد يستغرق سنوات ليجف. ولمس هذه الأعمال قد يخلّف بصمات عميقة لا يمكن إزالتها.

عمل جماعي بين يان بي-مينغ وفريق المتحف أثناء التحضير لتركيب العمل الفني.
لذلك كان ارتداء القفازات إلزامياً. كما حرصنا بشدة على التعامل مع الإطار والحواف المطوية فقط، وتجنّب ملامسة طبقة الطلاء تماماً. ورغم هذه التحديات، تظل عمليات التركيب ديناميكية وحافلة بالمفاجآت، وفريقنا دائم الاستعداد لخوض كل مشروع جديد بروح منفتحة وترحيب بكل إضافة جديدة.
مدنية عثمان غني موزاوالا هي أخصائية حفظ الأعمال الفنية الورقية في متحف: المتحف العربي للفن الحديث.
نظراً لأن متحف يخضع حالياً لأعمال تجديد، فإن هذا العمل غير معروض في الوقت الراهن. ندعوك للتخطيط لزيارة المتحف للاطلاع على معرض "تطلّعات: خمسة عشر عاماً من متحف". الذي يحتفي بمرور 15 عاماً على ريادة المتحف في مجال الفن الحديث.

إضاءة على حفظ المقتنيات: جهود الحفاظ على العمل الفني "بلا عنوان" (1982) لضياء العزاوي

خلف الكواليس: نافذة على حياة مرمم المقتنيات