رؤية جانبية لقلعة الزبارة جميع القصص
الباحثون

الحفاظ على التراث: البحث عن صوت المجتمع

10 مايو 2022

عبد اللطيف الجسمي

في هذا المقال الخاص، يكتب عبد اللطيف الجسمي؛ مدير إدارة حماية التراث الثقافي في متاحف قطر، عن أهمية حماية التراث الثقافي في قطر، وفي جميع أنحاء العالم.

يشكِّل التراثُ الثقافي القيمَ والمعتقدات والطموحات، ويصوغ هوية الأمم ويوثِّق إنجازات أبنائها. فعندما أتأمل موقعاً كموقع الزبارة على سبيل المثال، لا أرى في قلعة الزبارة صرحاً مذهلاً أو في أطلال الزبارة مدينة قديمة فحسب، بل استحضر في مخيلتي جدةً تجدلُ ضفائر حفيدتها، ومشهد الوداع الذي يجمع صائد اللؤلؤ بأسرته، واجتماع كبراء المدينة وهم يناقشون مسألة اتخاذ طرق جديدة للتجارة. وكل من يتأمل ذلك المنظر سيرى مشهداً مختلفاً وسيستحضر روايةً مختلفة.

التراث الثقافي هو نتيجة للحفاظ على تلك الذكريات القديمة والقيمة. ولهذا سيظل مفهوم الحفظ والحماية مرتبطاً به للأبد. ولا يُسمى التراث الثقافي تراثاً إلا إذ أورثَه جيلٌ سابق لجيلٍ حالي ليحافظ عليه وينقله إلى الجيل الذي يليه. وعلى الرغم من أن المتاحف بمثابة أوعية لحفظ الذكريات، فإن هناك من الذكريات ما لا يمكن تقديمه في صالات عرضها. تلك الذكريات قد تتمثل في طرق نسلكها، أو مبان نمر بجانبها، أو في طريقة ارتدائنا الملابس، أو في حكايات نقصها على أطفالنا.

فتيان يرتديان زيا قطرياً تقليدياً وتظهر قلعة الزبارة الأثرية في الخلفية

ومن السُبل التي يمكننا، نحن الأفراد، الاحتفاء من خلالها بالتراث الثقافي هي النظر إلى ما هو أعمق وأبعد من الإطار الخارجي الظاهر للمعلم التراثي. فعندما نتأمل معلماً تراثيّاً، علينا أن نسأل أنفسنا، لماذا يوجد بيننا؟ وأين كان؟ وماذا كان أثره في حياة أسلافنا؟ إذ ينبغى استحضار التاريخ والاستعانة به في تحفيز معارفنا وتحسين فهمنا للعالم الذي نعيش فيه.

لقد تعاقبت العديد من الحضارات على هذه المنطقة، وتعددت اللغات، والقيادات، والقبائل، وحركات التجارة، والثقافات التي مرت عليها واستقرت فيها. وشهد تاريخنا لآلاف السنين تغييرات مستمرة في الكثير من فصوله؛ وهي تغييرات تستحق أن ندرس تأثيرها وكيف أفضت إلى ما نحن عليه اليوم.

إن التخلي عن حماية التراث الثقافي، سيؤدي حتماً إلى اختفائه مع مرور الوقت. أما إن حافظنا عليه فسنصنع حالة اندماج جميلة وفريدة وملهمة بين الماضي والحاضر والمستقبل.

ولقد أدركت دولة قطر هذا الأمر منذ أمد طويل، فجعلت الحفاظ على التراث الثقافي واتخاذه مصدراً ملهماً للمستقبل جزءاً من نسيج حياتنا اليومية وشددت على ذلك في رؤية قطر الوطنية 2030، ذلك لأنه سبيلنا لكي نروي قصتنا ونعزز مكانتنا في عالم يزداد استقطاباً.

An aerial view of the fortifying walls and towers of the Al Zubarah Fort

وعلى مدار السنوات الطويلة الماضية، قطعت متاحف قطر شوطاً كبيراً في مسيرة الحفاظ على التراث الثقافي وتعزيزه، بداية من دراسة موقع الزبارة، ومن ثم إدراجه على قائمة التراث العالمي لليونسكو، إلى دراسة واكتشاف ما يزيد عن 6000 موقع أثري، وحتى الحفاظ على المعالم الأثرية في شتى أنحاء قطر وترميمها.

ولأن الحفاظ على التراث لا يقتصر على التنقيب والتأهيل فحسب، فقد حققنا أيضاً إنجازات مهمة على مستوى تسجيل وتوثيق جزءٍ من ماضينا، حيث أنشأت متاحف قطر سجل قطر الوطني البيئي التاريخي ونظام إدارة معلومات التراث الثقافي لقطر، وهما أداتان لجمع البيانات حول تاريخنا وتراثنا. وتساهم هذه الجهود مجتمعة في الحفاظ على تاريخنا للأجيال المقبلة.

إنني أؤمن بأنه لا سبيل لترجمة الفكر الإنساني إلى شيء مستدام تتوارثه الأجيال إلا بالحفاظ على ثقافتنا. فبها نكتشف مصدر وجودنا ونتصل بماضينا، وتاريخنا البشري، وهويتنا المجتمعية. هذا وإلا فإننا قد نغامر بخسارة جزء مهم من هويتنا.

عبد اللطيف الجسمي هو مدير إدارة حماية التراث الثقافي في متاحف قطر

شارك هذه الصفحة