جدارية ذات ألوان زاهية للفنان عبد الله العمادي في حديقة الأبراج جميع القصص

جداري آرت…. فنّانون يستلهمون إبداعاتهم من التراث والثقافة - الجزء الأول

أسوار مليئة بالفرح والحياة، جداريات خلاقة تغمر أرجاء المدينة بالألوان وتبث الحيوية والبهجة في نفوس كلّ مَن يشاهدها.

18 فناناً ساهموا في إبداع مجموعة من الجداريات، المنتشرة في مختلف مناطق قطر، لتبرز جانباً من الثقافة القطرية وتخاطب مختلف فئات المجتمع.

تحوّلت جدران المدينة العادية إلى لوحات فنية مفعمة بالطاقة والجمال، بفضل الألوان المنتشرة في كل مكان، والتي أبدعها الفنّانون المشاركون في برنامج جداري آرت، الذي أطلقته متاحف قطر بالتعاون مع هيئة الأشغال العامة، ووقود، والريّل.

وقد تناولت الجداريات صوراً وموضوعات مختلفة ومتنوعة عكست المشهد الثقافي والفني والتراثي في البلاد، مثل قناع "البتولة" التقليدي، والحصار ووباء كوفيد -19، وأخرى طرحت أساليب فنيّة، كالفن السريالي وجمالية الخط العربي وغيرها.

ونظراً للنجاح الذي حققه الموسم الأول من البرنامج، أعلنت متاحف قطر عودة البرنامج في نسخته الثانية، وأطلقت دعوة مفتوحة تطلب من الفنانين تقديم مقترحاتهم ثم تحويلها إلى جداريات بعد الموافقة عليها وتخصيص جدران لها.

ويعتبر هذا البرنامج، الذي أطلقته إدارة الفن العام في متاحف قطر، الأول من نوعه، وقد شارك في النسخة الأولى 18 فناناً، منهم 15 فناناً قطرياً و 3 من المقيمين في قطر، التقينا عدداً منهم في الجزء الأول من هذا المقال، وتعرّفنا أكثر على أعمالهم ومسيراتهم الفنية، وما أرادوا إيصاله للمجتمع من خلال جدارياتهم، وسنلتقي عدداً آخر من الفنانين في الجزء الثاني من المقال.

ندى خوزستاني

ندى خوزستاني، فنانة قطرية تخرجت من قسم الإدارة والتسويق في كلية الإدارة والاقتصاد - جامعة قطر. انعكس حبها وشغفها الكبيرين للثقافة القطرية على لوحاتها، فبدا ذلك جلياً من خلال أفكارها المستوحاة من العناصر المختلفة التي نراها في الطبيعة، واستخدامها لألوان مشبّعة مستمدة من الحياة اليومية في قطر. ومن أحدث أعمالها اللوحة الجدارية "سيدات في بتولة" في مبنى مطافئ: مقر الفنانين، حيث اختارت خوزستاني أن تصوّر خمس شخصيات نسائية ترتدين الملابس التقليدية القطرية المعروفة باسم العباءة والبتولة.

جدارية  تصوّر خمس شخصيات نسائية ترتدين الملابس التقليدية القطرية المعروفة باسم العباءة والبتولة.

"سيدات في البتولة" للفنانة ندى خوزستاني في مبنى مطافئ © متاحف قطر 2020

أردت من خلال هذه الجدارية تمثيل المرأة القطرية من دون الحاجة إلى تجسيد شخصية معينة. أتمنى حقاً أن يستمتع أبناء بلدي بلوحتي وأن يشعروا بأنهم ممثلون بها خير تمثيل.

ندى خوزستاني

وتضيف ندى: "كذلك، أردت أن أعرّف السيّاح والمقيمين أكثر على الملابس التقليدية القطرية التي تحرص السيدات القطريات على ارتدائها حتى يومنا هذا".

نورا المنصوري

نورا المنصوري فنانة قطرية تستخدم في عملها بعض الجوانب السريالية إضافة إلى أساليب أخرى ومواد متنوعة. تبرز الجداريتان الموجودتان في مطافئ بعنوان Shroomy Ladybug و The Cool Dove، عناصر الطبيعة الصغيرة التي يميل الجمهور غالباًَ  إلى تجاهلها أو اعتبارها أمراً مسلماً به. ويركّز عمل المنصوري على الاهتمام بالموضوعات التي تتخطى حدود ما يعتبر "معيارياً" أو "بديهياً" في قطر.

جدارية تجسد عناصر الطبيعة الصغيرة مثل الدعسوقة

"Shroomy ladybug” للفنانة نورا المنصوري في مبنى مطافئ © متاحف قطر 2020

جدارية تجسد عناصر حمامة تضع قبعة وقلادة وتصرخ "الوطن"

"The Cool Dove" للفنانة نورا المنصوري في مطافئ: مقر الفنانين © متاحف قطر 2020

ترمز الخنفساء إلى الحظ، بينما يرمز الفطر إلى السحر والقوة، وهذه العناصر مجتمعة تعني رمزية لحياة رائعة. حرصت من خلال لوحتي Shroomy Ladybug أن أقدّم مادة فنية خارجة عن المألوف، فلا يمكن لأحد أن يتوقع أن تكون هناك صورة جدارية لخنفساء على الحائط (على الأقل ليس في قطر). أميل إلى تصوير موضوعات تثير صدمة لدى الجمهور، وأرغب أن يتفاعل الناس مع فني بدلاً من مجرد التحديق به من دون ترك أي انطباع لديهم.

نورا المنصوري

عبد الله العمادي

يستمد الفنان القطري عبد الله العمادي إلهامه من فن تزيين المخطوطات، وعلم الأساطير، وحركات الفن السريالي المتنوعة. تقع لوحته الجدارية Limbo في حديقة الأبراج، وهي تُظهر شخصاً يبدو أنه محاصر داخل صندوق. يدمج العمادي في لوحته تدرجات اللون الأزرق، مع إضافة ألوان نابضة بالحياة جرى توزيعها بشكل متناغم لتعزيز التوجه السريالي للفنان. من خلال هذه الجدارية، أراد الفنان القطري أن يعكس حالته النفسية والعاطفية خلال فترة الحجر الصحي الذي فرضته جائحة كوفيد- 19.

جدارية  تصوّر شخصاً يبدو وكأنه محاصر داخل صندوق

"Limbo" للفنان عبد الله العمادي في حديقة الأبراج© متاحف قطر 2020

تترجم هذه اللوحة حالتي النفسية خلال فترة الحجر الصحي. وهذا يتجلّى بوضوح من خلال تصوير الحياة من حولي وأنا وحيد ومعزول داخل الصندوق. أرغب أن أحرّك مشاعر الجمهور، وأحفّز خياله، وأن أترك لديه تأثيراً كبيراً. أعتقد أن اعتماد الصور السريالية والرمزية في لوحتي، ساهم إلى حدّ ما في تفسير معناها واستنباط المغزى من ورائها.

عبد الله العمادي

هيفاء الخُزاعي

تصوّر الفنانة القطرية هيفاء الخزاعي مشهدية القبض على حيوانين، الحصان والنسر. يمثّل الحيوانان، رمزياً ومجازياً، قوة وعزم دولة قطر أثناء وبعد حصار عام 2017. وفي تمثيل لعلم دولة قطر المكوّن من اللونين الأبيض والعنّابي، يمثّل الحصان العنابي العزم على المضي قُدماً، بينما يشير النسر الأبيض إلى تحليق قطر عالياً.

جدارية  تجسّد حصاناً ونسراً في تمثيل لعلم دولة قطر المكوّن من اللونين الأبيض والعنّابي

"الحصان والنسر" للفنانة هيفاء الخزاعي في وقود، فريج كليب © متاحف قطر 2020

رغم الأثر الذي خلّفته الأزمة الخليجية على قطر ودول الخليج المجاورة، إلا أن هذا الحصار منحني القدرة على تمثيل بلدي الحبيب بصورة إيجابية، وإظهار عزيمته على تخطي الأزمات، والسعي إلى تأمين مستقبل أفضل وأكثر تفاؤلاً لأبنائه. وعلى الرغم من وضوح الرسالة التي تعمّدت إيصالها من خلال جداريتي، إلا أنني أحب أن أعرف كيف يُفسّرها الآخرون.

هيفاء الخزاعي

مريم المعضادي

تشارك الفنانة القطرية مريم المعضادي في برنامج جداري آرت، من خلال لوحة جدارية بعنوان " نشعر بالأمان في قطر"، مستمدة إلهامها من الثقافة والطبيعة القطرية. تجسّد لَوحتها سلسلة تصميمات لِطوابع بريدية تتضمن ملامح جانبية وأمامية لبعض الشخصيّات القطرية البارزة من نساء ورجال على حد سواء. اللوحة الجدارية، التي تقع في حديقة مكتب البريد، تحتوي على قوس يربط جانبي الطابع ببعضهما البعض في إشارة إلى الإنسجام والعيش بسلام. ويعزّز موقع هذه الجدارية في محيط مكتب البريد، الحوار البنّاء الذي يولّده بين أطراف الجمهور.

جدارية  تمثّل تصميمات طوابع بريدية وتتضمن ملامح جانبية وأمامية لبعض الشخصيّات القطرية البارزة

"نشعر بالأمان في قطر" للفنانة مريم المعضادي© متاحف قطر 2020

منحني برنامج جداري آرت فرصة للتعبير عن العديد من الأفكار التي كانت تجول في خاطري. ومنها ما نتمتع به من رفاهية العيش في بيئة آمنة وفي بلد يولي أهمية كبرى للتاريخ والثقافة. وأردت من خلال عملي الفني أن أعبر على الملأ عن امتناني وفخري بهذا الأمر.

مريم المعضادي

فاطمة الشرشني

فاطمة الشرشني هي خطاطة قطرية معروفة. بدأت بتطوير مهاراتها في فن الخط منذ عدة سنوات. ويتمحوّر عملها الفني الذي خصصته لـ "جداري آرت" حول دائرة ذهبية تتضمن بعض الأجزاء من قصيدة الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني، مؤسس دولة قطر. ويرمز استخدام اللون الذهبي إلى سطوع النور. كما يشبه هذا القرص الذهبي ختم المغلفات، مما يصنع حواراً مجتمعياً حول الجدارية، خاصة وأنها تحتل موقعاً مميزاً جداً في حديقة مكتب البريد.

جدارية  تصوّر دائرة ذهبية تتضمن بعض الأجزاء من قصيدة الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني، مؤسس دولة قطر

جدارية الفنانة فاطمة الشرشني في حديقة مكتب البريد © متاحف قطر 2020

عمدت من خلال هذه اللوحة أن أذكّر الجمهور بجمالية الخط العربي الذي يبدو أنه منسي أو أنه لا يحظى باهتمام كبير في قطر. ففي حين تعمد معظم الأعمال الفنية إلى استخدام صور شخصيات بارزة أو مجردة لتوصيل فكرة معينة، حرصت من خلال لوحتي الجدارية أن أبرز جمالية فن الخط ومدى ارتباطه الوثيق ليس فقط بالجداريات، بل بعالم الفن ككل.

فاطمة الشرشني

مبارك المالك

شارك الفنان القطري مبارك المالك، بالعديد من الفعاليات والنشاطات الفنية في قطر وخارجها. وعلى الرغم من أن غالبية أعماله تتضمن رموزاً سياسية، إلا أن جداريته في حديقة الأبراج تهدف فقط إلى التسلية لما تحتويه من ألوان متنوعة وصور من التقاليد القطرية. وتمثّل لوحته امرأة قطرية ترتدي قناع البتولة وتحمل بيدها مبخرة يتصاعد منها الدخان الأبيض، وهي بحسب التقاليد العربية رمزية لاستقبال الضيوف. وفي تمثيل للحب، اختار المالك أن ينثر بعض الورود الحمراء فوق الدخان.

هذه اللوحة ليست الوحيدة للفنان مبارك المالك، فهناك جدارية أخرى له تحمل رسالة مشابهة في مبنى مطافئ: مقر الفنانين.

جدارية  لامرأة قطرية ترتدي قناع البتولة وتحمل بيدها مبخرة يتصاعد منها الدخان الأبيض

جدارية الفنان مبارك المالك في حديقة الأبراج © متاحف قطر 2020

جدارية  لامرأة قطرية ترتدي قناع البتولة وتقدم نبتة

جدارية الفنان مبارك المالك في مطافئ: مقر الفنانين © متاحف قطر 2020

من خلال سفري إلى بلدان عدة في أوروبا وأميركا، تعلّمت كيف يستخدم الفنانون فن الكتابة على الجدران في أعمالهم لتمثيل بلدانهم وهوياتهم الثقافية أحسن تمثيل. وحينها سألت نفسي، لماذا لا أستخدم الوسيلة نفسها لتعريف الناس على الثقافة القطرية؟ برأيي، إن انتشار اللوحات الجدارية في جميع أرجاء قطر، أمر مهم كونه يُفسح المجال أمام الجميع بمشاهدتها والتمتّع بهذا النوع من الفن.

مبارك المالك

عبد العزيز يوسف أحمد

على مدى 12 عاماً من الخبرة العملية، طوّر الفنان عبد العزيز يوسف احمد أسلوبه الفريد بهدف مشاركة خبرته وأعماله مع الجمهور. وتظهر لوحته الجدارية صورة جانبية لامرأة قطرية ترتدي العباءة وقناع البتولة التقليدي. وقد ساعد تطوّر المشهد الثقافي في قطر عبد العزيز في بلورة أعماله والسعي أكثر نحو اعتماد أسلوبي البساطة والتجريد في فنه.

صورة جانبية لامرأة قطرية ترتدي العباءة وقناع البتولة التقليدي

جدارية الفنان عبد العزيز يوسف أحمد عند تقاطع الطرفة، الخور© متاحف قطر 2020

تتمتع الثقافة القطرية بشيء من البساطة، حيث إنها لا تتطلب الكثير من الجهد والوقت لِتأملها وفهمها. وقد أردت من خلال لوحتي أن أقدّم نظرة حقيقية عن ثقافتنا التي كانت وما تزال سهلة وبسيطة. تكمن الغاية من وراء جداريتي في مساعدة الجمهور على فهم أوسع وأشمل لهذا الأمر، وهذا ما تؤكده الإنسيابية وتدرّج الألوان الرمادية المستخدمة في لوحتي.

عبد العزيز يوسف أحمد

مايكل بيرون (بمساعدة سلمى عواد، تسليم ساني، آمنة المفتاح، مهى نصر، أليس أسلم، وبارثيفان ك.)

مايكل بيرون هو فنان أميركي وبروفيسور فن الرسم في جامعة فرجينيا كومنولث كلية فنون التصميم في قطر. يملك بيرون منزلاً قديماً جداً في فيرمونت يعود إلى العام 1906، حيث لعبت عوامل الطبيعة دورها فيه وخلّفت تشققات في جدرانه، الأمر الذي دفع بيرون بتتبع هذه التشققات وربطها ببعضها البعض من خلال فرشاة الرسم الخاصة به لتتكوّن لديه لوحة جميلة. تدور فكرة جداريته حول هذا الموضوع، ولا سيما بعد انتشار فيروس كوفيد- 19 واضطراره إلى الانتقال للعيش في فيرمونت. يعمد مايكل إلى استخدام الخطوط في لوحته في رمزية لسد الفجوات بين ما هو بعيد وقريب، وفي إشارة لربط الحياة التي عاشها في قطر بحياته في فيرمونت.

جدارية  تعكس خطوطاً ملونة ترمز إلى تشققات في الجدران

جدارية مايكل بيرون (بمساعدة سلمى عواد، تسليم ساني، آمنة المفتاح، مهى نصر، أليس أسلم، وبارثيفان ك.)، تقاطع دوحة فيستيفال سيتي © متاحف قطر 2020

نظراً لموقعها بالقرب من المركز التجاري "دوحة فيستيفال سيتي"، قررت الابتعاد عن الألوان الداكنة واستخدام ألوان أكثر إشراقاً في لوحتي. باعتقادي أن هذا الأمر ينعكس إيجاباً على زوّار المركز التجاري ويضفي كذلك أجواءً من الفرح والسعادة على الحياة الحضرية في الدوحة.

مايكل بيرون

ويضيف مايكل: "آمل أن يرى الناس الجانب المبهج والسعيد في هذه القطعة الجدارية. وأودّ أن أشكر طلاب جامعة فرجينيا كومنولث كلية فنون التصميم في قطر الرائعين الذين ساعدوني في إنجاز هذا العمل ".

في الجزء الثاني من هذا المقال، سنلتقي عدداً آخر من الفنانين المشاركين في البرنامج، وسنتعرف عليهم وعلى أعمالهم أكثر.

شارك هذه الصفحة