مدونتنا

رحلة في حياة بيكاسو من خلال استوديوهاته

2 يوليو 2020

في مصنع سابق لآلة البيانو اسمه باتو لافوار، ويعني "قارِب الغسيل" نظراً لشكله، اشتغل بيكاسو على شخوص متشظيّة ومنحوتات خشبية. داخل هذا الاستوديو الواقع في حيّ مونمارتر ودون إمدادات مياه منتظمة أو كهرباء، وُلدت التكعيبية، تلك الحركة الفنية التي ظهرت في مطلع القرن العشرين والتي قامت على إعادة تركيب ما يظهر في العمل الفن بشكل تجريدي.  

ومعرض "استوديوهات بيكاسو"، الذي يستقبلكم الآن في مطافئ، يهدف لفهم الفنان من خلال استوديوهاته المتتابعة. فعلى مدى مسيرته الفنية، استقرّ بيكاسو في مواقع مختلفة تنوّعت أنماطها بدءاً بعُليّة صغيرة ومروراً بشقق فارهة ووصولاً إلى قصور ومنازل فاخرة. قلّة حظيت بفرصة مشاهدة الفنان وهو يعمل داخل مُحترفاته هذه التي تحوّلت – بتلك الفوضى من الأدوات والمقتنيات المتراكمة – إلى شاهد خالد لبيكاسو، الإنسان والفنان.

يُقدِّم المعرض أعمال بيكاسو من مجموعة متحف بيكاسو الوطني في باريس ضمن تسلسل زمني متعاقب، ويُسلِّط الضوء على ثمانية استوديوهات بدءاً من المحطة الأولى عند وصوله إلى باريس حوالي عام 1900 وانتهاءً بمقر إقامته الأخير في شواطئ الريفييرا الفرنسية المطلة على المتوسط.

اشترِ تذاكرك هنا لزيارة معرض استوديوهات بيكاسو في مطافئ الدوحة. هناك خصومات لأعضاء بطاقة الثقافة.

قم بجولة افتراضية في معرض استوديوهات بيكاسو. مفتوح الآن في مطافئ الدوحة.

1904-1912: باتو لافوار.. حياة بوهيمية في أول استوديوهات بيكاسو

انتقل بيكاسو مع شريكته فيرناند أوليفييه إلى باتو لافوار عام 1904. كان المبنى عبارة عن وجهة تضجّ بفنانين وصحفيين وتجار أعمال فنية. شعر بيكاسو أن ظروف الحياة المتقشِّفة هنا، دون تدفئة تقريباً خلال فصل الشتاء، مواتية للإبداع. ورغم مغادرته هذا الاستوديو عام 1912، إلا أن بيكاسو احتفظ بذكريات جميلة من هذا المكان قائلاً: "سنعود جميعاً إلى باتو لافوار، فلطالما كنا بغاية السعادة هناك".

لوحة تشبه الرسم التخطيطي لكنيسة Sacré-Cœur في باريس. تم تصوير القبة البيضاء الشهيرة للكنيسة على خلفية بيج.
كنيسة القلب المقدس"، باريس، شتاء 1909-1910، ألوان زيتية على قماش، متحف بيكاسو الوطني في باريس، تقدمة للمتحف كبدل ضريبي، 1979. MP30 © ورثة بيكاسو 2020 الصورة © رابطة المتاحف الوطنية – غراند باليه (متحف بيكاسو الوطني في باريس) / ماتيو رابيو

1913-1919: منحوتات شارع شويلكر في ثاني استوديوهات بيكاسو

عقب مغادرة استوديو باتو لافوار، تنقّل بيكاسو في إسبانيا وجنوب فرنسا، قبل العودة إلى باريس والاستقرار في استوديو جديد عام 1913. وتمثّل الفضاء الإبداعي للفنان هنا بشقة فارهة.

تخللت إقامة بيكاسو في استوديو شارع شويلكر اندلاع الحرب العالمية الأولى والوفاة المفاجئة لشريكته إيفا غويل نتيجة إصابتها بمرض السلّ. ولمواجهة شعور العزلة الذي انتابه، أخذ بيكاسو ينوّع أساليبه الفنية وأضاف بُعداً جديداً لأعماله ثنائية البُعد، وخلق فئة جديدة من المنحوتات أطلق عليها اسم "تراكيب". أعدّ هذه المنحوتات من مواد غير فنية، كقطع أثاث خشبي عثر عليها في الاستوديو أو ألواح قصدير قام بطلائها ومن ثم طيّها لتشكيل أعمال طبيعة صامتة.

نحت خشبي صغير مع وعاء.
"زجاجة مشروب يانسون وطبق وعنقود عنب"، باريس، خريف 1915، خشب صنوبر وتنوب وطبق قصدير ومسامير مع بقايا فحم، متحف بيكاسو الوطني في باريس، تقدمة للمتحف كبدل ضريبي، 1979. MP254 © ورثة بيكاسو 2020

1918-1940: الشهرة في شارع لا بويتي في ثالث استوديوهات بيكاسو

عند انتقال بيكاسو إلى استوديو جديد في حيّ لا بويتي الراقي في باريس، كان قد أصبح فناناً عالمياً ذائع الصيت. وعقب زواجه من راقصة الباليه الروسية أولغا خوخلوفا، أسس مُحترَفه في الطابق الثاني من شقة العائلة، حيث بدأ العمل مجدداً على التكعيبية، وأعاد اكتشاف الأسلوب الكلاسيكي في رسم اللوحات.

تميّزت سنوات استوديو لا بويتي بالشهرة العالمية والثراء والتواصل مع فناني الصفّ الأول في عشرينات القرن العشرين. شهدت الثلاثينيات توترات عائلية وهواجس شخصية بالنسبة لبيكاسو. كما اتجه إلى السريالية، تلك الحركة الفنية التي تطوّرت عقب الحرب العالمية الأولى، وتشتهر بصور وأعمال الكولاج الحالِمة. فمثلاً لوحة "دراسات لأعمال" تجمع مجمل الأبحاث الفنية التي انخرط فيها بيكاسو داخل استوديو شارع لا بويتي وهي التراكيب التكعيبية والأنماط الكلاسيكية ومصادر الإلهام السريالية. يُظهِر هذا العمل شغف الفنان بالتشظيّ وأعمال البورتريه والطبيعة الصامتة.

اكتشف المزيد حول المعرض على موقع مطافئ الدوحة.

اللوحة تشبه الكولاج. وهي مطلية بألوان خافتة. هناك صورة للزوجين. في منتصف اللوحة هناك صورة جانبية لرجل. على جانبي الرجل صور يد. بقية اللوحة عبارة عن صور مجردة مطلية بألوان برتقالية وخضراء على خلفية بنية.
"دراسات لأعمال"، باريس، 1920، ألوان زيتية على قماش، متحف بيكاسو الوطني في باريس، تقدمة للمتحف كبدل ضريبي، 1979. MP65 © ورثة بيكاسو 2020

1930-1936: مُلهِمة الفنان وقصر بواجولو في رابع استوديوهات بيكاسو

في إطار بحثه عن استوديو يتّسع لأعماله النحتية، تملّك بيكاسو في يونيو 1930 قصر بواغولو في منطقة النورمادي. تحوّل هذا القصر، الذي يعود تاريخ تشييده للقرن السابع عشر، إلى ملاذ للفنان بعيداً عن حياة العاصمة. بدأ بيكاسو في هذه الفترة يرسم مُلهمته ماري تيريز والتر التي أصبحت عارضة له. أصبح وجهها بطابعه المنحوت مصدر إلهام لتنويعات متعددة في لوحات ومنحوتات أعاد فيها الفنان تركيب معالِمه وتقاسيمه مثل عمل "طبيعة صامتة: تمثال نصفي وطبق فواكه ولوح ألوان".

في اللوحة صورة مجردة لامرأة ووعاء من الفاكهة. تحتوي اللوحة على ألوان البني والأزرق والأبيض.
"طبيعة صامتة: تمثال نصفي وطبق فواكه ولوح ألوان"، بواغولو، 3 مارس 1932، ألوان زيتية على قماش، متحف بيكاسو الوطني في باريس، تقدمة للمتحف كبدل ضريبي، 1979. MP140. الصورة © رابطة المتاحف الوطنية – غراند باليه (متحف بيكاسو الوطني في باريس) / أدريان ديديرجان

1937-1967: شارع غراند أوغستان والحرب العالمية الثانية في خامس استوديوهات بيكاسو 

في رواية "التحفة المجهولة" للكاتب بلزاك، يحُلُّ إلهام مفاجئ على رسّام ليستكمل أهم عمل في حياته، إحدى الروائع التي أمضى عشر سنين من حياته في إعدادها. ثم يتوجه بالدعوة إلى فنانَيْن اثنين آخرين كي يُلقيا نظرة عليها. لا يستطع الاثنان سوى تبيّن ملامح قَدَم ضمن ثورة من الألوان. وتؤدي خيبة أملهما هذه إلى دفع الرسام لحافة الجنون والموت.

شهِد عام 1937 انتقال بيكاسو إلى استوديو شارع غراند أوغستان داخل نفس المبنى الذي تدور فيه أحداث رواية بلزاك التي يُقال إنها راقت لبيكاسو. في هذا المُحترَف، رسم بيكاسو إحدى أشهر لوحاته "غرنيكا" المناهضة للحرب والتي تظهر فيها شخوص وحيوانات متعددة وتحوّلت مع الزمن إلى رمز عالميّ للسلام. 

خلال الحرب العالمية الثانية، مَنَعت سلطات الاحتلال الألماني بيكاسو من عرض أعماله. ولكنه استمرّ في الإبداع الفني. تستحضر أعماله من تلك الفترة ما عاشه. أعدّ بيكاسو هذه المنحوتة من البرونز المطليّ في استوديو شارع غراند أوغستان في باريس وتُمثّل رأس امرأة ركّبه بيكاسو على مجسّم عرض لسيدة ترتدي ثوباً طويلاً. وكما هو الحال في كثير من لوحات البورتريه لسيدات من فترة الحرب، يحمل هذا العمل طابع حقبة اتّسمت بالمعاناة والصراعات العنيفة.

قم بزيارة موقع إنستجرام لمطافئ الدوحة للمزيد من الصور و الفيديوهات الخاصة بمعرض استوديوهات بيكاسو.
 

تمثال برونزي صغير لوجه امرأة.
"رأس لعمل ’امرأة بثوب طويل‘"، باريس، 1942، برونز مطليّ على قاعدة خشبية، متحف بيكاسو الوطني في باريس، تقدمة للمتحف كبدل ضريبي، 1979. MP325 © ورثة بيكاسو 2020

1948-1955: مشغولات فورنا الخزفية في سادس استوديوهات بيكاسو 

أثارت زيارة لورشة خزف في قرية فالوريس عام 1948 اهتمام بيكاسو بتقنيات العمل على الفخار. أسس مُحترَفه في فورنا الذي كان مستودعاً في السابق وانخرط في عالَم الخزف وأعدّ أكثر من 4 آلاف عمل خزفي مُستلهِماً من حياة المتوسط والعصور القديمة. انطوت مقاربته على برونز مُذاب يشبه الصلصال، بالإضافة إلى إدخال مخلوقات أسطورية وكائن "فون" الأسطوري بنصف إنسان ونصف معزة وبومات وثيران.

 

لوحتين جنبًا إلى جنب. تحتوي إحدى اللوحات مخلوق يشبه الظبي ، واللوحة الثانية فيها صورة لطائر خارق. كلتا اللوحتين باللونين الأسود والأبيض.
(يسار) "فون، موسيقي، رقم 5"، فالوريس، 10 مارس 1948، طباعة على ورق، متحف بيكاسو الوطني في باريس، تقدمة للمتحف كبدل ضريبي، 1979. MP3377 (يمين) "البوم الكبير"، فالوريس، 10 مارس 1948، طباعة على ورق، متحف بيكاسو الوطني في باريس، تقدمة للمتحف كبدل ضريبي، 1979

1955-1961: الفن وكأنه مسرح في كوت دازور في سابع استوديوهات بيكاسو

تحوّلت فيلا كاليفورنيا لبيكاسو إلى ما يشبه المسرح للفنان بحيث أطلق العنان لإبداعاته من خلال الديكورات الداخلية لهذا الفضاء الإبداعي. امتاز المكان الجديد بنوافذه المرتفعة المطلّة على منحوتاته البرونزية الضخمة في الحديقة. ظلّت فيلا كاليفورنيا بمثابة استوديو وصالة عرض ومنزل بيكاسو حتى عام 1958.  

ابتكر بيكاسو هنا نمطاً جديداً لمنحوتات مكوّنة من صفائح معدنية مطوية ومطلية. كان يستهلّ هذه المنحوتات بإعداد نماذج ورقية، ثم يتحوّل إلى استخدام صفائح معدنية.

 

لوحة أفقية لأشجار النخيل والبحر واليخوت.
"الخليج في كانْ"، كانْ، 19 أبريل 1958 - 9 يونيو 1958، ألوان زيتية على قماش، متحف بيكاسو الوطني في باريس، تقدمة للمتحف كبدل ضريبي، 1979. MP212 © ورثة بيكاسو 2020. الصورة © رابطة المتاحف الوطنية – غراند باليه (متحف بيكاسو الوطني في باريس) / ماتيو رابيو

1958-1973: الوحدة والإبداع من فوفنارغ إلى نوتردام دو فيه آخر استوديوهات بيكاسو

عقب الفيلا في خليج كانْ، اشترى بيكاسو في فوفنارغ قصراً فسيحاً ذو طراز إسباني ومتاخم لجبل سانت فيكتوار الذي ظهر في لوحات فنان حظي بتقدير بيكاسو وهو بول سيزان.

تحوّلت إسبانيا آنذاك إلى مصدر إلهام لوحات كثيرة أعاد فيها بيكاسو كتابة تاريخ الفن مثل عمليه "رَجُل جالس" و"مصارع الثيران"، حيث تُعتَبر هذه الأخيرة بمثابة نموذج مثالي للعصر الذهبي الإسباني. إلا أن بيكاسو بدأ يشعر بالوحدة في فوفنارغ، فانتقل إلى فيلا نوتردام دو فيه في منطقة موجان.

في حالة من العزلة، ذهب بيكاسو بمغامراته الإبداعية إلى اللامحدود. اشتغل هنا على أعمال حفر فني تبنّى فيها تقنيات مختلفة وتراكمت فيها تفاصيل مذهلة. قدّم أيضاً لوحات عديدة ظهر فيها الاستوديو، بالإضافة إلى لوحات بورتريه بألوان نابضة بالحياة شكّلت شهادة شخصية عن مفهومه لفن رسمّ اللوحات. انتهت هذه المرحلة الأخيرة من المشوار الإبداعي لبيكاسو بوفاته في أبريل 1973 حيث تمت مواراته الثرى في الأراضي المحيطة بقصر فوفنارغ.

يواجه شخصان بعضهما البعض. واحد يجلس على كرسي ملون بينما يقف الآخر. هناك خزانة جانبية ودلماسي بينهما. الشخص الواقف مظلم مثل الظل ، في حين أن الشكل الجالس رمادي فاتح.
"خزانة حفظ أدوات المائدة في فوفنارغ"، كانْ - فوفنارغ، 23 مارس 1959 - 23 يناير 1960، ألوان زيتية على قماش، متحف بيكاسو الوطني في باريس، تقدمة للمتحف كبدل ضريبي، 1979. MP214 © ورثة بيكاسو 2020

قم بزيارة متجر IN-Q لشراء الهدايا التذكارية من المعرض عبر الإنترنت.

Add your comment

You might also like